| لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار |
|
|
|
| الكاتب الدكتور محمد السقا عيد | |||||
في الكون أشياء قد لا ندركها على الرغم من أنه سبحانه وتعالى خلقها وسخرها في خدمتك, وبعد أن أدركتها تعمل في خدمتك, فإن حدثك الحق بشيء لا تدركه فلا تقل: مادام هذا الشيء غير مدرك فهو غير موجود. على سبيل المثال أنت لا تدرك الكهرباء, ولا الجاذبية ولا قمة أسرار الحياة وهي الروح التي تعطيك سر الحياة وتنفعل بها كل جوارحك, وإن خرجت الروح صرت جثة هامدة, إن أحدا لا يعرف مكان الروح ولا يدركها, ولا سمعها أحد أو شمها أو ذاقها أو لمسها, فالروح موجودة في ذاتك ولا تدركها, هأنت ذا –إذن- لا تستطيع أن تدرك مخلوقا لله فكيف تدرك خالقك وهو الله؟... (لاتدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)
هذه الآية المحكمة تضع فاصلا وفارقا بين الله تعالى وخلقه ، فمن صفات الخالق أنه يدرك الأبصار ، وهذا له وحده ، وبذلك يفترق عما عداه. الفرق بين الرؤية والإدراك أما الإدراك فهو بلوغ أقصى الشئ. ويقال: أدرك الصبيُّ، إذا بلغ غاية الصبا؛ وذلك حين البلوغ. وقوله تعالى:﴿ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ ﴾ (يونس:90) يعني: أن الغرق قد أحاط به من جميع الجهات. وقوله تعالى:﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ﴾ (الأنعام:103). يعني: أن الأبصار لا يمكنها أن تحيط به سبحانه. ومنهم من حمله على رؤية البصيرة، وذكر أنه قد نبَّه به على ما روي عن أبى بكر- رضى الله عنه- في قوله:” يا من غاية معرفته القصور عن معرفته “؛ إذ كان غاية معرفته تعالى أن تعرف الأشياء، فتعلم أنه ليس بشيء منها، ولا بمثلها؛ بل هو مُوجِدٌ كلَّ ما أدركته. ومثل قوله تعالى:﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ﴾(الأنعام:103) في نفي الإدراك على سبيل الاستغراق والشمول قوله تعالى:﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾(طه:110) في نفي الاحاطة. قال الرازي:” وذلك يدل على كونه تعالى منزَّهًا عن المقدار والشكل والصورة، والا لكان الإدراك والعلم محيطين به؛ وذلك على خلاف هذين النصَّين. “. ولما كانت الرؤية تعني إدراك المرئي من الجهة المقابلة، سأل موسى عليه السلام ربه الرؤية، فقال:﴿ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ (الأعراف: 143). ولما كانت رؤيته سبحانه غير جائزة في الدنيا، أجابه تعالى بقوله:﴿ لَن تَرَانِي ﴾، فأتى بفعل الرؤية منفيًّا بـ{ لن }، التي تدل على قصر النفي، بخلاف النفي بـ{ لا }، التي تدل على طول النفي وامتداده. فدل ذلك على أن رؤيته تعالى ممتنعة في الدنيا، جائزة في الآخرة، خلافًا للمعتزلة، الذين احتجوا بقوله تعالى:﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾(الأنعام:103) على عدم جواز رؤيته سبحانه في الآخرة. والآية حجة عليهم، لا لهم؛ لأن الإدراك إما أن يراد به: مطلق الرؤية. أو يراد به: الرؤية المقيدة بالإحاطة. والأول باطل؛ لأنه ليس كل من رأى شيئًا، يقال: إنه أدركه؛ كما لا يقال: أحاط به. وقد سُئِل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك، فقال:” ألست ترى السماء ؟ قال: بلى. قال: أكلها ترى ؟ قال: لا. “. ومن رأى جوانب الجيش أو الجبل أو البستان أو المدينة، لا يقال: إنه أدركها؛ وإنما يقال: أدركها، إذا أحاط بها رؤية. فثبت بذلك أن الإدراك في لغة العرب ليس مرادفًا للرؤية، وأنه ليس كل من رأى شيئًا، يقال في لغتهم: إنه أدركه. وكيف يقال بترادف اللفظين، وبين لفظ الرؤية، ولفظ الإدراك عموم وخصوص. أو اشتراك لفظي، فقد تقع رؤية بلا إدراك، وقد يقع إدراك بلا رؤية؛ فإن الإدراك يستعمل في إدراك العلم، وإدراك القدرة، فقد يدرك الشيء بالقدرة، وإن لم يشاهد؛ كالأعمى الذي طلب رجلاً هاربًا منه، فأدركه، ولم يره. وقد قال تعالى:﴿ فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ* قََالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾(الشعراء:61-62)، فنفى موسى- عليه السلام- الإدراك مع إثبات الترائي، فعُلِم أنه قد يكون رؤية بلا إدراك. والإدراك هنا هو إدراك القدرة. أي: إنا لملحقون، محاط بنا. وإذا انتفى هذا الإدراك، فقد تنتفي إحاطة البصر أيضًا. الأستاذ محمد إسماعيل عتوك تفسير الآية تفسيرابن كثير - الجزء الثاني - صفحة 162-594) قوله تعالى ( لا تدركه الأبصار ) فيه أقوال للأئمة من السلف أحدها: لا تدركه في الدنيا وإن كانت تراه في الآخرة كما تواترت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير ما طريق ثابت في الصحاح ( خ 3235 م 177 ) والمسانيد والسنن كما قال مسروق عن عائشة أنها قالت من زعم أن محمدا أبصر ربه فقد كذب ، وفي رواية على الله فإن الله تعالى قال: ( لاتدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) رواه ابن أبي حاتم من حديث بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود عن أبي الضحى عن مسروق ورواه غير واحد عن مسروق وثبت في الصحيح ( خ 3234 ) وغيره عن عائشة من غير وجه. وخالفها ابن عباس فعنه إطلاق الرؤية وعنه رآه بفؤاده مرتين والمسألة مذكورة في أول سورة النجم . وقال ابن أبي حاتم ذكر محمد بن مسلم حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا يحيى بن معين قال سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول الله ( لاتدركه الأبصار ) قال هذا في الدنيا وذكر أبي عن هشام بن عبد الله أنه قال نحو ذلك وقال آخرون ( لاتدركه الأبصار ) أي جميعها وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة . وقال آخرون من المعتزلة بمقتضى مافهموه من الآية أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله. أما الكتاب فقوله تعالى ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) وقوله تعالى عن الكافرين ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) قال الإمام الشافعي فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه تبارك وتعالى. وأما السنة فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد وأبي هريرة وأنس وجريج وصهيب وبلال وغير واحد من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات وفي روضات الجنات جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين. وقيل المراد بقوله ( لاتدركه الأبصار ) أي العقول رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين عن الفلاس عن ابن مهدي عن أبي الحصين يحيى بن الحصين قارئ أهل مكة أنه قال ذلك وهذا غريب جدا وخلاف ظاهر الآية وكأنه اعتقد أن الإدراك في معنى الرؤية والله أعلم . وقال آخرون لامنافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك فإن الإدراك أخص من الرؤية ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ماهو؟ فقيل معرفة الحقيقة فإن هذا لا يعلمه إلا هو وإن رآه المؤمنون كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيققته وكنهه وماهيته فالعظيم أولى بذلك وله المثل الأعلى قال ابن علية في الآية هذا في الدنيا رواه ابن أبي حاتم وقال آخرون الإدراك أخص من الرؤية وهو الإحاطة قالوا ولا يلزم عدم الإحاطة عدم الرؤية كما لا يلزم من إحاطة العلم عدم العلم قال تعالى ( ولا يحيطون به علما ) وفي صحيح مسلم ( 486 ) لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ولا يلزم منه عدم الثناء فكذلك هذا . قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) قال لا يحيط بصر أحد بالملك. وقال ابن جرير حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا خالد بن عبد الرحمن حدثنا أبو عرفجة عن عطية العوفي في قوله تعالى ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) قال هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره محيط بهم فذلك قوله ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) وورد تفسير هذه الآية حديث رواه ابن أبي حاتم ها هنا فقال حدثنا أبو زرعة حدثنا منجاب بن الحارث السهمي حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) قال لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا ما أحاطوا بالله أبدا غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه ولم يروه أحد من أصحاب الكتب والستة والله أعلم. وقال آخرون في الآية بما رواه الترمذي في جامعه ( 3279 ) وابن أبي عاصم في كتاب السنة ( 437 ) وابن أبي حاتم في تفسيره وابن مردويه أيضا والحاكم في مستدركه ( 2/306 ) من حديث الحكم بن أبان قال سمعت عكرمة يقول سمعت ابن عباس يقول رأى محمد ربه تبارك وتعالى فقلت أليس الله يقول ( لاتدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) الآية فقال لي لا أم لك ذلك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شئ وفي رواية لا يقوم له شيء قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وفي معنى هذا الأثر ماثبت في الصحيحين ( م 179 ) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعا إن الله لا ينام ولاينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل النهار قبل الليل وعمل الليل قبل النهار حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ماانتهى إليه بصره من خلقه . وفي الكتب المتقدمة إن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده أي تدعثر وقال تعالى ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) ونفي هذا الأثر الإدراك الخاص لا ينفى الرؤية يوم القيامة يتجلى لعباده المؤمنين كما يشاء فأما جلاله وعظمته على ماهو عليه تعالى وتقدس وتنزه فلا تدركه الأبصار ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تثبت الرؤية في الدار الآخرة وتنفيها في الدنيا وتحتج بهذه الآية ( لاتدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) فالذي نفته الإدراك الذي بمعنى رؤية العظمة والجلال على ماهو عليه فإن ذلك غير ممكن للبشر ولا للملائكة ولا لشي وقوله ( وهو يدرك الأبصار ) أي يحيط بها ويعلمها على ماهي عليه لأنه خلقها كما قال تعالى ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) . تفسير الطبرى القول في تأويل قوله تعالى: ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وهو أعظم من أن تدركه الأبصار. الدر المنثور - أخرج ابن أبي حاتم والعقيلي وابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (لا تدركه الأبصار) قال "لو أن الإنس والجن والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا ما أحاطوا بالله أبدا. قال الذهبي: هذا حديث منكر انتهى. وفي إسناده عطية العوفي وهو ضعيف. وأخرج الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه واللالكائي في السنة عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه. قوله: "لا تدركه الأبصار" الأبصار: جمع بصر، وهو الحاسة، وإدراك الشيء عبارة عن الإحاطة به. قال الزجاج: أي لا تبلغ كنه حقيقته، فالمنفي هو هذا الإدراك لا مجرد الرؤية. فقد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواتراً لا شك فيه ولا شبهة، ولا يجهله إلا من يجهل السنة المطهرة جهلاً عظيماً، وأيضاً قد تقرر في علم البيان والميزان أن رفع الإيجاب الكلي سلب جزئي، فالمعنى لا تدركه بعض الأبصار وهي أبصار الكفار، هذا على تسليم أن نفي الإدراك يستلزم نفي الرؤية، فالمراد به هذه الرؤية الخاصة، والآية من سلب العموم لا من عموم السلب، والأول تخلفه الجزئية، والتقدير: لا تدركه كل الأبصار بل بعضها، وهي أبصار المؤمنين. والمصير إلى أحد الوجهين متعين لما عرفناك من تواتر الرؤية في الآخرة، واعتضادها بقوله تعالى: "وجوه يومئذ ناضرة" الآية. قوله: "وهو يدرك الأبصار" أي يحيط بها ويبلغ كنهها لا تخفى عليه منها خافية، وخص الأبصار ليجانس ما قبله. وقال الزجاج: في هذا دليل على أن الخلق لا يدركون الأبصار: أي لا يعرفون كيفية حقيقة البصر وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه انتهى. تفسير القرطبى الآية: 103 (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) عن ابن عباس أيضا. وقيل: المعنى لا تدركه أبصار القلوب، أي لا تدركه العقول فتتوهمه؛ إذ "ليس كمثله شيء" الشورى: 11 وقيل: المعنى لا تدركه الأبصار المخلوقة في الدنيا، لكنه يخلق لمن يريد كرامته بصرا وإدراكا يراه فيه كمحمد عليه السلام؛ إذ رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلا، إذ لو لم تكن جائزة لكان سؤال موسى عليه السلام مستحيلا، ومحال أن يجهل نبي ما يجوز على الله وما لا يجوز، بل لم يسأل إلا جائزا غير مستحيل. واختلف السلف في رؤية نبينا عليه السلام ربه، ففي صحيح مسلم عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية. قلت: ما هن؟ قالت من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. قال: وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله عز وجل "ولقد رآه بالأفق المبين" التكوير: 23. "ولقد رآه نزلة أخرى" [النجم: 13] ؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة من سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض). فقالت: أو لم تسمع أن الله عز وجل يقول: "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير"؟.... الحديث وقال عبد الله بن الحارث: اجتمع ابن عباس وأبي بن كعب، فقال ابن عباس: أما نحن بنو هاشم فنقول إن محمدا رأى ربه مرتين. ثم قال ابن عباس: أتعجبون أن الخلة تكون لإبراهيم والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. قال: فكبر كعب حتى جاوبته الجبال، ثم قال: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى عليهما السلام، فكلم موسى ورآه محمد صلى الله عليه وسلم. تفسيرالسعدى لا تدركه الأبصار "لعظمته ، وجلاله وكماله . أي : لا تحيط به الأبصار ، وإن كانت تراه في الآخرة ، وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم . فنفي الإدراك ، لا ينفي الرؤية ، بل يثبتها بالمفهوم . فإنه إذا نفى الإدراك ، الذي هو أخص أوصاف الرؤية ، دل على أن الرؤية ثابتة . فإنه لو أراد نفي الرؤية ، لقال : « لا تراه الأبصار » ونحو ذلك . فعلم أنه ليس في الآية ، حجة لمذهب المعطلة ، الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة . بل فيها ما يدل على نقيض قولهم . " وهو يدرك الأبصار "أي : هو الذي أحاط علمه ، بالظواهر والبواطن ، وسمعه ، بجميع الأصوات الظاهرة والخفية ، وبصره بجميع المبصرات ، صغارها ، وكبارها . تفسير البغوى يتمسك أهل الاعتزال بظاهر هذه الآية في نفي رؤية الله عز وجل عياناً . ومذهب أهل السنة: إثبات رؤية الله عز وجل عياناً جاء به القرآن والسنة، قال الله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة "القيامة،23، وقال: " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " المطففين15، قال مالك رضي الله عنه: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله الكفار بالحجاب، و"قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة "يونس26، وفسره بالنظر إلى وجه الله عز وجل ". أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أن أحمد بن عبد الله النعيمي أن محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عاصم بن يوسف اليربوعي أن أبو شهاب عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنكم سترون ربكم عياناً ". التوضيح العلمي هذا من إعجاز القرآن الكريم في الزمن و سرعات الضوء فالعين البشرية قد تحدد مداها في الرؤية بسرعة الضوء ، أي 300 ألف كيلو متر في الثانية ، فالكائن الذي يتحرك أسرع من هذا لا يمكن أن تلحقه أو تدركه لمح العين البشرية بالبصر أو النظر . وهناك مستويات مخلوقة لا تدركها العين في عالمنا لأن سرعتها أسرع من سرعة الضوء .. وهذا في المخلوقات فكيف بالخالق جل وعلا. منه ما يدخل في مجال رؤيتها مكانيا ولكن لا تراه ، وما يبعد عنه جدا فلا تراه وما يقترب منها جدا فلا تراه ، ومنه ما تراه ماديا بالعين المادية ثم يتحول إلى صورة مقلوبة ثم إلى معنى في المخ ...ونوعية الألوان وتغيرها كل ذلك في إطار ما تراه العين البشرية ، وهى ليست أقوى عيون المخلوقات في القدرة على الرؤية والإبصار ، فهناك من الكائنات الحية حولنا كالحشرات و الحيوانات ما ترى أفضل من الإنسان في النور والظلمة. ثم هناك ما لا نراه وما لا نعرفه من مستويات أخرى من الخلق مثل الجن والملائكة و الشياطين والقرين ، وكلها حولنا وفى نفس المكان ولكن في مستويات مختلفة ترى بعيونها ـ ولكنها لا تدرك الله تعالى ، ولكن يدرك الله تعالى أبصارها مهما بلغت السرعة التي تتحرك بها أعين تلك الكائنات العلوية أو السفلية. شبهات تحليلها : الشبهة الأولى : إن الآية في مقام المدح ، فإذا كان الشيء في نفسه تمتنع رؤيته فلا يلزم من عدم رؤيته مدح و تعظيم للشيء ، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه ، كانت هذه القدرة الكاملة على المدح والعظمة ، فثبت أن هذه الآية دالة على أنه جائز الرؤية حسب ذاته. الرازي ، مفاتيح الغيب 13: 125. إن هذا التشكيك يحط من مقام الرازي ، فهو أكثر عقلية من هذا التشكيك ، وذلك لأنه زعم أن المدح بالجملة الأولى ، أعني قوله سبحانه : ( لاتدركه الأبصار ) وغفل عن أن المدح بمجموع الجزئين المذكورين في الآية ، بمعنى أنه سبحانه لعلو منزلته لا يدرك وفي الوقت نفسه يدرك غيره ، وهذا ظاهر لمن تأمل في الآية ونظيرتها قوله سبحانه : يطعم ولا يطعم ، فهل يرضى الرازي بأنه سبحانه يمكن له الأكل والطعم . الشبهة الثانية: إن لفظ الأبصار صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهو يفيد الاستغراق فقوله : ( لا تدركه الأبصار ) بمعنى لا تراه جميع الأبصار ، وهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب. الرازي ، مفاتيح الغيب 13: 126. يلاحظ عليه : أن المتبادر في المقام كما في نظائره هو عموم السلب أي لا يدركه أحد من ذوي الأبصار ، نظير قوله سبحانه: ( إن الله لا يحب المعتدين ) البقرة 190 وقوله سبحانه : ( فإن الله لا يحب الكافرين ) آل عمران 32 وقوله سبحانه : ( والله لا يحب الظالمين ) آل عمران 57. يقول الإمام علي عليه السلام : ( الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ، ولا يحصى نعمائه العادون ، ولا يؤدي حقه المجتهدون ، الذي لا تدركه بعد الهمم ولا يناله غوض الفطن ). نهج البلاغة ، الخطبة الأولى . فهل يحتمل للرازي في هذه الآيات والجمل سلب العموم وأنه سبحانه لا يحب جميع المعتدين والكافرين والظالمين ، ولكن يحب بعض المعتدين والكافرين والظالمين ، أو أن بعض القائلين يبلغون مدحته ويحصون نعماءه . ----------
|