المشرف العام : المهندس عبد الدائم الكحيل
الثلج المشتعل PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب الأستاذة دلال مدوة   

 

الغاز الطبيعي هو قنبلة مناخية كامنة في أعماق البحار، ومن الممكن أن تشتعل ....

مقدمة

تشكل هيدرات الميثان (ماءات الميثان) مورداً مدهشاً للطاقة، وهي منتشرة بكثرة داخل الركام البحري. والواقع أن هذه الهبة الإلهية الكامنة في قاع البحر، مشكلة من غاز له فعل الدفيئة والاحتباس الحراري، فهو يشكل خطراً على البيئة لأن تأثيره يفوق قوة غاز ثاني أكسيد الفحم CO2 بأكثر من عشرين مرة!

وهذه المادة البلورية الغريبة موجودة بوفرة في حالتها الطبيعية . وفي العام 2004 ، قدر العالم دافيد آرشر من جامعة شيكاغو أن كمية هذا المركب في الطبيعة تقدر بنحو 3000 إلى 15000 مليار طن من الكربون أو الفحم، أي ما يعادل الاحتياطيات المعروفة من الكربوهيدرات (المتمثلة بالنفط والغاز الطبيعي ...)! ولندرك أهمية هذا المركب، يجب أن نعلم أن هذا المخزون يكمن في قيعان البحار والمحيطات على عمق  300 ـ 1000 متر عن سطح الماء. ذلك أن شروط الحرارة والضغط الضرورية لتشكل هذا المركب متوفرة في تلك القيعان.

ويقول تيبولت دوغاريدل، الباحث في المركز الأوروبي للبحث والتعليم في علوم البيئة الجيولوجية: من الناحية المبدئية، تشكل الأعماق البحرية حوضاً يحيط بالقارات، وهي منطقة منبسطة بشكل كاف ويتردد مستواها بين صفر ومائتين من الأمتار. ثم يوجد هامش منحدر يصل حتى أعماق المحيطات إلى عمق آلاف الأمتار. وعلى هذا العمق وبوجود الماء والحرارة توجد مادة الكلاترات التي تشكل هيدرات الميثان.

وكلما بردت مياه المحيط ازدادت تلك الهيدرات اقتراباً من سطح الماء، لأنها تتناسب مع الضغوط الأضعف عندئذ. لكن من أين يأتي كل ذلك الميتان ؟ إنه ينطلق من البكتريا التي تعيش في أوساط خالية من الأكسجين، وهي البكتريات اللاهوائية الموجودة بغزارة في الحطام المتراكم في الأعماق السحيقة. وفي تلك الأعماق تكمن كميات ضخمة من المواد العضوية التي تنتج عن علق البحر عند سطح مياه البحر وتتمركز في الأعماق.

إن وجود هذا المخزون الضخم من الغاز المسبب للدفيئة والذي يبلغ تأثيره عشرين ضعف قوة ثاني أكسيد الفحم لا يبعث أبداً على الارتياح. لأنه إذا حصل انكسار ضعيف في قاع البحر فإنه قد يطلق بقوة في الجو حرارة مرتفعة تؤدي إلى حدوث كارثة.

وحسبنا إجراء مقارنة بسيطة لنتأكد من ذلك: فالمعروف حالياً أن العالم يطلق سنوياً 7 مليارات طن من غاز الكربون، وهذا كثير جداً ويشكل خطراً، ومع ذلك فهو لا يشكل سوى واحد بالألف من مخزون الكلاترات. وهذه المادة أكثر تهديداً من هيدرات الغاز الأقل استقراراً: ففي الواقع، إن تغيرات بسيطة في شروط الحرارة والضغط قد تكفي لإطلاق غاز هيدرات الميثان.

ويرى دافيد آرشر أن ارتفاع درجة حرارة مياه المحيطات بمقدار 1.5 درجة مئوية قد يؤدي إلى إطلاق نصف مخزون الميتان! ذلك أن ارتفاع الحرارة يؤدي إلى تفكيك البلورات التي تطلق الميثان، وعلى الفور ترتفع حرارة الجو جراء ذلك مسرّعة إطلاق الميتان.

ظهر في العام 2002 بحث بعنوان «فرضيات سلاح الكلاترات»  ويوحي بأن هيدرات الميثان قامت بدور هائل على امتداد آخر مليون سنة من عمر الأرض، وقد اتصفت هذه الفترة بظهور 25 حدثاً لا يمكن تفسيرها: وهي التسخين الواضح للأرض، ولاسيما خلال نصف القرن الماضي، حيث ارتفعت درجة الحرارة بمقدار 10 درجات مئوية في بعض المناطق، والأمر يحتاج إلى ألف سنة قادمة حتى تعود تلك الحرارة إلى طبيعتها السابقة.

مصدر بديل للطاقة

يعتقد سويس وزميله جيرهارد بورمان، العاملان في مركز أبحاث الجيولوجيا البحرية (جيومار) التابع لجامعة كيل (بحر الشمال)، أن هيدرات الميثان يمكن أن توفر مصدراً بديلا للطاقة «النظيفة» في المستقبل، إلا أنهما يدعوان إلى الحذر من المخاطر البيئية التي قد تنجم عن عملية الاستثمار الموسع لهذا «الثلج المشتعل». ويطلق العلماء على هيدرات الميثان اسم الثلج المشتعل بسبب قابليتها السريعة للتطاير والاشتعال، ودلالة على نسبة غاز الميثان العالية التي تنطلق عنها عند تحللها. ويكثر وجود «ثلج الميثان» بشكل «واحات» واسعة في أعماق البحار، وخصوصا في بحر الشمال وعلى سواحل سيبيريا والولايات المتحدة واليابان، وهي تتكون باستمرار عن طريق «تجلد» الأحياء البحرية نتيجة انخفاض درجات الحرارة وارتفاع ضغط الماء في الأعماق.

 

تبدو هيدرات الميثان بشكلها للوهلة الأولى مثل كرة من الثلج، من حيث لونها وتكوينها وبرودتها عموماً . لكن عند اقتراب عود ثقاب منها تشتعل وتعطي ماء وغازاً. ولتركيب الهيدرات في المخبر، يكفي إخضاع غاز الميتان لدرجة حرارة منخفضة وضغط مرتفع بوجود الماء فتتشكل بلورات هيدرات الميثان. والميثان ـ وهو ليس سوى الغاز الطبيعي CH4 المعروف منذ القدم ـ محبوس ضمن مكعبات مكونة من الماء والمادة العضوية، وعند احتراقها تشتعل المادة العضوية وتخلّف وراءها الماء، ومقر هذه المادة البلورية قاع البحر. إن حجم واحد من هذه المكعبات البلورية يطلق نحو160 ـ 180 حجماً من غاز الميتان!

هل يمكن استثمار هذه الطاقة الهائلة؟

إن استثمار غاز الميثان المنطلق من الجليد المشتعل متعذر على السطح بفعل الطبيعة المتطايرة لهذه المادة، فهي تتطاير في درجة حرارة الغرفة وتشتعل وهي في حالتها الصلدة (الجليدية)، ويكفي تغيير بسيط في الضغط المسلط عليها لتحليلها إلى مكوناتها. هذا يعني أن رفعها من الأعماق إلى السطح سيهدر كميات هائلة من الميثان ستنطلق بشكل فقاعات إلى الجو. من ناحية أخرى فان استثمار هيدرات الميثان في هذه الأعماق يهدد بخروج العملية عن سيطرة الإنسان الجالس على السطح وربما تنجم عن المحاولة سلسلة تفاعلات كيميائية غير محسوبة قد تؤدي بدورها إلى كارثة بيئية. كما تشكل الواحات والجبال الهيدراتية جزءاً من النظام البيئي البحري المتوازن الذي قد يؤدي استغلال أجزاء كبيرة منه إلى الإخلال بهذا النظام.


 أحد العلماء من معهد الأبحاث البحرية  الألماني «جيومار» في مدينة كيل يقوم بتجربة عجيبة لحرق  الثلج المشتعل "هيدرات الميثان" لتوليد الطاقة بدون أن تحترق يده فسبحان الله. مصدر الصورة صحيفة الشرق الأوسط.


تعود مخاوف علماء مركز جيومار إلى رحلة سابقة أداها فريق المركز على متن الباخرة العلمية "الشمس" مقابل شواطئ ولاية أوريغون الأميركية، إذ لاحظ الفريق فجأة وجود سجادة واسعة من البكتيريا على سطح البحر ترتفع عنها رائحة البيض الفاسد، وتتحرك فيها المياه بموجات عالية ودوامات وتنطلق عنها الفقاقيع. انتشل العلماء بعد ذلك أكثر من 100 كيلو غرام من هيدرات الميثان وهي في حالة ذوبان سريع ومستمر، وعملوا في الحال على تجميدها في الثلاجات. واتضح من خلال كاميرات الأعماق التي أرسلها العلماء من على متن «الشمس» أن كتلة كبيرة من الثلج المشتعل قد انفصلت لأسباب مجهولة عن الأعماق وارتفعت إلى السطح. وتثبت هذه الحادثة، حسب تقدير العلماء، مدى الضرر الذي قد ينجم عن ارتفاع فقاقيع غاز الميثان إلى السطح.

على وشك الكارثة

إن أي خطأ قد يؤدي إلى ذوبان جبال الجليد المشتعل في الأعماق سيسبب خراب البيئة البحرية، إطلاق الميثان إلى أجواء الأرض، وإرسال موجات بحرية هائلة ستغرق كافة السواحل القريبة.

مع ذلك فان حوادث صغيرة مثل التسرب الميثاني الذي اكتشفته الباخرة العلمية "الشمس" مقابل سواحل أوريغون تثبت أنه لا بد من الحذر من هذا الخطر الكامن في أعماق البحار. ويعتقد العلماء أن كارثة بيئية قد حلت بالأرض قبل حوالي 55 مليون سنة وأن هذا الانقلاب المناخي كان على صلة بتسرب كميات هائلة من غاز الميثان إلى أجواء الأرض.

لغز مثلث برمودا

يربط بعض العلماء اليوم ظاهرة مثلث برمودا مع سيناريوهات الذوبان المصغر لجبال هيدرات الميثان في أعماق البحار، فالفراغات التي تتركها الكتل الجليدية المتطايرة تعمل على اجتذاب السفن إليها كما يحدث مع الثقوب الكونية السوداء إذا جاز هذا التشبيه. وسبق للعلماء البريطانيين أن اكتشفوا وجود «ثقب أسود» في قاع بحر الشمال، يعتقدون أن له علاقة بجبال هيدرات الميثان، يعمل على إغراق السفن كما يحصل للبواخر التي تختفي بين زوايا مثلث برمودا.

ظاهرة اختفاء الطائرات

ويميل العالم الأمريكي توماس غولدن، من جامعة كورنيل الأميركية، إلى تفسير الكثير من حوادث سقوط واختفاء الطائرات في البحر على أساس نظرية «الثقوب الميثانية السوداء» في قيعان البحار والمحيطات. حيث إن إطلاق كمية من هذه المادة من أعماق المحيط إلى السطح يؤدي إلى دوامات عنيفة قد تتحول إلى إعصار يجذب الطائرة ويبتلعها إلى الداخل.

الحديث الشريف يشير إلى وجود نار تحت البحر

وفي الحديث الشريف يقول صلى الله عليه وسلم: (لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر فإن تحت البحر ناراً) [رواه أبو داود]. هذا الحديث يشير إلى وجود نار كامنة تحت البحر وهو ما يؤكده العلماء اليوم، حيث إنهم يسمون هذه الكتل بالقنابل الموقوتة تحت البحر والتي من الممكن أن تنفجر في أي لحظة.

يؤكد العلماء أن البحار تستقر على جبال من الجليد المشتعل، وإن أي ارتفاع في درجة حرارة قيعان البحار سوف يؤدي إلى إطلاق كميات كبيرة من غاز الميثان واشتعاله وبالتالي ليس بعيداً أن يحدث مثل هذا الأمر ويؤدي إلى تسخين البحار. هناك إشارة قرآنية لمثل هذه الظاهرة في الحديث عن يوم القيامة يقول عز وجل: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) [التكوير: 6].

إن وجود هذه الكتل الضخمة في أعماق البحار واحتمال انفجارها في أي لحظة، يدل على الإعجاز في كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

إعداد الكاتبة الصحفية دلال عبد الرزاق مدوة

إشراف المهندس عبد الدائم الكحيل

 

المراجع:

  • http://www.aawsat.com/details.asp?section=14&article=86760&issueno=8471
  • مجلة العلوم عدد مارس 2000
  • مجلة: Science & Vie الفرنسية ـ عدد سبتمبر ( 2005).
  • مصدر الصورة:

http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=484499&issueno=10865