المشرف العام : المهندس عبد الدائم الكحيل
التصوير القرآني لأضرار الصعود في الفضاء PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب ا.د/ كارم غنيم   

 

هل تصورت يوماً أنك تصعد في الفضاء...ماذا سيحدث؟ لنتأمل ونتفكر...

يقول الله تعالى في كتابه المجيد:  فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: 125]، أورد النيسابورى في " غرائب القرآن ورغائب الفرقان " قول الليث حول شرح الصدر وضيقه: شرح الله صدره فانشرح، أى: وسعه بقبول ذلك الأثر، ولا شك أن توسيع الصدر غير ممكن على سبيل الحقيقة، ولكن هاهنا معنىً وهو: أنه إذا اعتقد الإنسان في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح، مال طبعه إليه، وقوى طلبه ورغبته في حصوله، وظهر في القلب استعداد شديد لتحصيله، فسميت هذه الحالة " سعة الصدر"، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظن بكون ذلك العمل مشتملاً على ضرر زائد، ومفسدة راجحة، دعاه ذلك إلى تركه، وحصل في النفس نَبْوَةُُ (إعراض) عن قبوله، فيقال لهذه الحال" ضيق الصدر" لأن المكان إذا كان ضيقاً لم يتمكن الداخل من الدخول إليه، وإذا كان واسعاً قدر على الدخول فيه. وأكثر استعمال شرح الصدر في جانب الحق والإسلام..


وفي معنى قول الله تبارك وتعالى:] وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء  [يقول ابن كثير في (تفسير القرآن العظيم): وقال ابن المبارك عن ابن جريج: ضيقاً حرجاً بلا إله إلا الله، حتى لا يستطيع أن تدخله،كأنما يعد في السماء من شدة ذلك عليه. ويورد النيسابورى قول الزجاج " الحرج" في اللغة أضيق الضيق، ثم يقول] يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء [كأنما يزاول أمرا غير ممكن، لأن صعود السماء يمتنع ويبعد عن الاستطاعة، فكأن الكافر في نفوره من الإسلام وثقله عليه بمنزلة من يتكلف الصعود إلى السماء... وأما كلام النيسابورى بعدم الاستطاعة على صعود البشر السماء فثبت خطأه في القرن العشرين الميلادي، إذ استطاع البشر أن يتصعدوا في طبقات السماء " الأولى " ويجوزوا الفضاء ويتجولوا بين أجرامه.


ونعود إلى كلام النيسابورى في شرح وتفسير قول الله تبارك، وتعالى: كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: 125]، أى: كما جعل ضيق الصدر في قلوبهم، كذلك يجعل الرجس عليهم.أما الرجس فتتنوع معانيه عند المفسرين، بين الشيطان، ومالا خير فيه، والعذاب، واللعنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة.

ومن المفسرين المحدثين محمد الطاهر بن عاشور الذي يقول في تفسيره المسمى (التحرير والتنوير): إن حال المشرك حين يدعى إلى الإسلام أو حين يخلو بنفسه فيتأمل في دعوة الإسلام، بحال الصاعد، فإن الصاعد يضيق تنفسه في الصعود... والسماء يجوز أن تكون بمعناها المتعارف، ويجوز أن تكون الجو الذي يعلو الأرض.


ويقول الدكتور / محمد محمود حجازى في (التفسير الواضح): فمن يرد الله أن يهديه للحق ويوفقه للخير يشرح صدره للقرآن، ويوسع قلبه للإيمان، فعند ذلك يستنير الإسلام في قلبه ويتسع له صدره. وهكذا يكون عند من حسنت فطرته وطهرت نفسه وكان فيها استعداد للخير وميل إلى اتباع الحق. ومن فسدت فطرته، وساءت نفسه، إذا وطلب إليه أن ينظر في الدين ويدخل فيه، فإنه يجد في صدره ضيقاً، وأى ضيق، كأنه كلف من الأعمال مالا يطيق، أو أمر بصعود السماء، وأصبح حالهم كحال الصاعد في طبقات الجو.. والمرتفع في السماء.. كلما ارتفع وخف الضغط عليه شعر بضيق في النفس وحرج في القلب..

في هذه الآية القرآنية [125 / سورة الأنعام] معجزة علمية، وضحت حقيقتها مؤخراً... وهى انخفاض الضغط الجوي بالصعود في طبقات الجو، مما يسبب ضيق صدر الصاعد حتى يصل إلى درجة الاختناق، فتكون الآية تشبيه حالة معنوية بهذه الحالة الحسية التي لم تُعرف إلا في عصرنا الحاضر. ونوجز شرح هذا فيما يلي:


اكتشف تورشيللى (1608-1647 م) في عام 1643م أن سائل الزئبق يمكن ضخه في أنبوب إلى الأعلى بفعل الضغط الجوي حتى يصل ارتفاعه إلى 76 سم [30 بوصة] فقط.. وعلى هذا الأساس أمكن استنتاج أن عمودا مماثلاً من الهواء يمتد حتى نهاية الغلاف الجوي يكون محتوياً لكمية من الهواء وزنها مساوٍ لوزن كمية الزئبق الموجودة في الأنبوب، وذلك حتى ارتفاع 76 سم. وأكد تورشيللى صحة نظريته بأن حمل عمودا من الزئبق إلى قمة جبلٍ عالٍ ولاحظ نقصان ارتفاع عمود الزئبق، نظراً لأن جزءاً من الغلاف الجوي  قد أصبح آنذاك تحته، ومن ثم فلن يبذل هذا الجزء أية قوة على عمود الزئبق..

ثم توصل الإنسان إلى أنه كلما ارتفع عن مستوى سطح البحر كلما نقص وزن الهواء، وذلك نتيجة لنقص سمك الغلاف الجوي الغازي من جهة، وتخلخل الهواء أو انخفاض كثافته من جهة أخرى... ويتأثر هذا - أيضا- تبعاً لاختلاف درجة الحرارة... ولم يتوصل الإنسان إلى معرفة هذه الظاهرة إلا في القرن التاسع عشر(1804م) حينما صعد بالبالون لأول مرة إلى طبقات الجو ظاناً بأن الهواء ممتد إلى مالا نهاية.. ‍‍‌!!


لقد أصبح التفسير العلمي لظاهرة الضيق والاختناق عند الصعود في طبقات الجو العليا معروفاً الآن بعد سلسلة طويلة من التجارب والأرصاد التي أجراها العلماء لمعرفة مكونات الهواء وخصائصه، خصوصاً بعد أن تطورت أجهزة الرصد والتحليل المستخدمة للارتفاعات المنخفضة، أو المحمولة بصواريخ وأقمار صناعية لدراسة طبقات الجو العليا. وتدل القياسات على أن الغلاف الجوي (الغازي) للأرض متماثل التركيب (التكوين)، بسبب حركة الهواء التي تؤدي إلى حدوث عمليات الخلط الرأسي والأفقي (خصوصاً على الارتفاعات المنخفضة)، فتظل نسب مكونات الهواء ثابتة تقريباً حتى ارتفاع 80 كيلومترا..


ولقد ثبت أن الضغط الجوي يقل مع الارتفاع عن سطح الأرض، بحيث ينخفض إلى نصف قيمته تقريباً كلما ارتفعنا مسافة 5 كيلومترات عن مستوى سطح البحر، بشكل مطرد. وطبقاً لهذا، فإن الضغط الجوي ينخفض فيصل إلى ربع قيمته على ارتفاع 10 كيلومترات، وإلى 1% من قيمته الأصلية على ارتفاع 30 كيلومترا. كما تتناقص كثافة الهواء بدورها تناقصاً ذريعاً مع الارتفاع حتى تقارب شبه العدم عند ارتفاع 1000 كيلوميترا تقريباً من سطح الأرض…‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!

ومن ناحية أخرى، فإن الأكسجين يقل في الجو كلما ارتفعنا إلى الأعلى، نظراً لنقصان مقادير الهواء، فإذا كان الأكسجين عند السطح 200 وحدة مثلاً، فإنه على ارتفاع 10 كيلومترات ينخفض فيصل إلى 40 وحدة فقط، وعلى ارتفاع 20 كيلومترا يزداد نقصانه لتصبح قيمته 10 وحدات فقط، ثم تصل قيمته إلى وحدتين فقط على ارتفاع 30 كيلومترا..


وهكذا، يمكن أن يضيق صدر الإنسان ويختنق بصعوده إلى ارتفاعات أعلى من 10 كيلومترات، إن لم يكن مصوناً داخل غرفة مكيفة [Conditioned]، وذلك نتيجة لنقص الضغط الجوي، ونقص غاز الأكسجين اللازم للتنفس... وبدون هذه الغرفة المكيفة يصاب الإنسان بالكسل والتبلد ويدخل في حالة من السبات وفقدان الذاكرة، ويتعرض لأضرار الأشعة الساقطة عليه من خلال الغلاف الجوي … ويصاب بحالة [ديسبارزم] فينتفخ بطنه وتجاويف جسمه، وينزف من جلده، ويتوقف تنفسه، ويتدمر دماغه، ويدخل في غيبوبة ثم يموت...


كما أثبت علم طب الفضاء إصابة الصاعد في طبقات الجو العليا دون الاحتماء في غرفة مكيفة – بالاعياء الحاد، وارتشاح الرئة، وأوديما الدماغ، ونزف شبكية العين، ودوار الحركة، واضطراب التوجه الحركي في الفضاء، واحمرار البصر ثم اسوداده. وأما اسوداد البصر فهو أعلى حالات " الهلوسة البصرية"، إذ الأعين موجودة وسليمة وظيفياً، لكن الضوء غير موجود، حيث لا يوجد في طبقات الجو العليا سوى الظلام الحالك، فيظن الصاعد في تلك الطبقات أنه قد أصابه سحر أفقده القدرة على الإبصار، وقد يكون هذا ما يشير إليه القرآن الكريم:] وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ  [[الجحر:14، 15].


ونعود إلى الآية الرئيسية في موضوعنا، وهى قول الله تعالى:]  فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ[[الأنعام:125]، لنرى كم هى بليغة، وكم هى معجزة، فهى بليغة إذ تشبه حال الكافر المعاند الذي يكابر ويرفض هداية الله، واتباع الوحى الذي أنزل على خاتم الرسل والأنبياء محمد r، وهذا الكافر المعاند المكابر يضيق صدره كلما ابتعد عن هدى الله، أى: كلما ضل عن الطريق الإسلامي، وقد سبق أن أشرنا إلى " الحرج" بأنه أضيق الضيق، فهل تجد بعد هذا بلاغة وقوة في التعبير والتشبيه ؟!

كما أنها آية معجزة، إذ أوضحت ظاهرة جوية وحقيقة فضائية لم يتوصل العلماء إلى معرفتها إلا في القرن التاسع عشر والقرن العشرين الميلاديين، وهى الضيق والاختناق كلما ارتفع الإنسان في طبقات الجو، أى: في  السماء،والسماء هى كل ما علاك، وهو المعنى المعروف لمعظم الناس، وهو من المعاني الصحيحة لهذه الكلمة القرآنية... وسبحان من هذا كلامه

 -----------

بقلم الأستاذ الدكتور كارم غنيم