| حقيقة الرتق والفتق الكوني |
|
|
|
| الكاتب الباحث عمر الريسوني | ||
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: كثيراً ما اختلفت الأقاويل وتضاربت النظريات وتلاحمت الأفكار حول كيفية نشوء الكون. فهنالك من يدعي بأن الكون قد "خـُلِق" بنفسه، وهنالك من يقول بأن الله، أو المسبب الذكي، خلقه، وغيرها من الأفكار، ودينياً فإن الله هو خالق وواجد الكون (ولقد أخذت المفاهيم في الغرب تتغيربخصوص النشأة الكونية بعد التقدم الحاصل في العلوم الفيزيائية). والاختلاف قديما كان لإثبات أن الكون حدث، أو أزلي... وبحسب قوانين الفيزياء لو كان الكون أزلي لوصل إلى مرحلة التوازن، وذلك يعني أن الكون سيكون كتلة واحدة لها نفس الخصائص والصفات، غير مجزئة، لها درجة الحرارة نفسها، لأن الحرارة تنتقل في من الجسم الأسخن إلى الجسم الأبرد حتى تصل إلى التوازن بين الجسمين. والمادة تنتقل من المنطقة ذات الكثافة الأعلى إلى المنطقة ذات الكثافة الأقل إلى أن تصل إلى التوازن أيضا... وهذا يعني أن الكون غير أزلي، فهو لم يصل إلى مرحلة التوازن بعد. وخروجاً من هذا المنطلق؛ تلخص النظريات الأربعة الوحيدة كيفية وجود الكون، ومن خلالها يمكننا إقصاء واستبعاد بعض النظريات الخارجية والبعيدة عن المغزى الأساسي لمفهوم "بداية الكون"، ألا وهي: 1. أن الكون قد أوجد نفسه بنفسه. 2. أن كوناً آخراً قد أوجد الكون. 3. أن الكون قد أوجـِدَ من العدم. 4 4. أن الله أو المسبب الذكي خلق الكون. بالنسبة للنظرية الأولى؛ لا يمكن للكون أن يوجد نفسه بنفسه، لأنه لم يكن موجوداً بالأساس فكيف يوجد شيئاً وهو غير موجود؟، ففاقد الشيء لا يعطيه، أي أن فعل الإيجاد لا يمكن أن يحدث إلا إذا كان هنالك أحد موجود أصلاً ليفعله. إذاً؛ فهذه النظرية مستبعدة. وبالنسبة للنظرية الثانية؛ يُطرح من خلال هذه النظرية السؤال ذاته الذي يقول: إذا كان كون آخر قد أوجد الكون الحالي، فمن أوجد الكون الأول؟ - ومن هذا المنطلق نستنتج أن هذه النظرية غير معقولة فنستبعدها. وبالنسبة للنظرية الثالثة؛ إن إيجاد شيء من العدم أمر لا يقبله العقل. فتخيل صنع كرسي وليس لديك أخشاب ولا مسامير ولا معدن ولا أي شيء... ببساطة؛ هذا مستحيل. إذاً فهذه أيضاً مستبعدة. وبالنسبة للنظرية الرابعة؛ فهي الشيء الوحيد المعقول وأكثر النظريات أعلاه قابليةً للتصديق، فعقلياً لا بد من وجود أحد ما يدير شأن هذا الكون ويخلق الكائنات ويميتها، وهذا الـ"أحد" هو الله بحسب الأديان، أو المسبب الذكي، بحسب نظرية التصميم الذكي. وكمقدمة لا بد من الاشارة الى أن القرآن الكريم هو المنارة العالية في سبيل تحصيل مزيد من العلم وتحقيق مزيد من التقدم والرقي، ففي كل الفروع العلمية أعطى الله العليم الخبير كلمته النافذة وأشار بدقة متناهية عن أسرار مودعة باحكام في هذا الخلق الذي لم يخلق عبثا بل خلق بالحق والأجل المسمى، وجعل هذه الأسرار مفهومة في كل آن وحين حتى لو تقدم العلم وتطور أشواطا. فهناك اعداد جد متناهي في الدقة بين جزئيات الماد الكونية لتصير الى حال ما نراه ونشاهده اليوم وكذا الى ما ستؤول اليه هذه المادة الكونية من انجذاب وانهيار وزوال لتبدل الى خلق آخر. وهذه النشأة الكونية انما هي خلق، وهذا الخلق كان أساسه فتقا من رتق فهل هذه اشارة محكمة لنظام دقيق بدأ بعلم الله تعالى وبأمره بكن فيكون، فالآيات الواردة في كتاب الله عز وجل تبين أن هناك دعائم وأسس وغايات معلومة وظاهرة في مواصفات هذا الكون المتماسك بدقة ونظام بديع محكم ومقدر بعلم. والفتق من الرتق اشارة علمية دقيقة لهذه النشأة الكونية بكافة تفاصيلها المحكمة والتي عبر عنها عنها العلم الحديث بمصطلح الانفجار الكبير BIG-BANG فهل هذا المصطلح يعبر حقيقة عن هذه النشأة الكونية كما عبر عنها القرآن. فهذا الأستاذ الدكتور ستيفن هوكنج – أستاذ بقسم الرياضيات التطبيقية – جامعة كامبردج ببريطانيا صرح مؤخرا وأدلى بشهادته على وجود قدرة عليا وراء خلق الكون والتي سماها- القصد- بعد أن تأكدت لديه الصورة الصحيحة عن مولد الزمان (كتابه تاريخ موجز للزمان) ص107 ويضيف في أدق ما وصلت اليه الفيزياء الحديثة في مجال علوم الكون بعد بحوث مضنية امتدت لحقب تاريخية طويلة في البحث والاستقصاء: ويعني هذا أن الحالة الابتدائية للكون يلزم أن يكون فيها بالضبط نفس الحرارة في كل مكان حتى يمكن تفسير حقيقة أن الخلفية الميكروويفية لها نفس الحرارة في كل اتجاه ننظر اليه، كما أن السرعة الابتدائية للتمدد يجب أن يتم اختيارها اختيارا مضبوطا جدا حتى تظل سرعة التمدد قريبة جدا من المعدل الحرج اللازم لتجنب التقلص ثانية، ويعني هذا أن الحالة الابتدائية للكون يجب أن تكون قد تم اختيارها بحرص بالغ، حقا لو كان نموذج الانفجار الساخن صحيحا رجوعا الى بدء الزمان مباشرة، وسيكون من الصعوبة البالغة تفسير السبب في أنه ينبغي أن يبدأ الكون بهذه الطريقة بالضبط الا بقصد. ونستخلص من كلام هذا الأستاذ المتخصص أن هناك تقدير محكم في هذه النشأة الكونية التي بدأ فيها الزمان والمكان وهذا الخلق البديع وهو ما سماه بالقصد. فالفتق من الرتق هو أساس بين لهذا الخلق من عدميته الى وجوده وخلقه ومواصفاته ونظامه الدقيق المحكم بحركيته وصيرورته واتساعه ومكانه وزمانه ونسبيته ومآله وطيه وتبدله. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:(وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) الآية (61) من سورة يونس. (تأملوا معي هذه الصورة وهي لجزيء ذرة متناهي الصغر لا يرى بالعين المجردة وتم تكبير صورة هذا الجزيء ملايين المرات)
فبصرنا المحدود لا يجلي لنا بعض الحقائق العميقة في جزئيات الذرة المتماسكة بنواتها وما دونها من جسيمات التي لا نهاية في صبر أغوارها وتحديد عوالمها اللا نهائية وأسرارها البديعة والمودعة باحكام، ولجسيماتها المرتبطة باتقان في حركة دائبة من الاهتزازات المستمرة التي لا تنقطع وهذه الجسيمات تصدر موجات صوتية ذات ترددات مختلفة، وتاخذ أشكالا هندسية مختلفة وباهرة باختلاف عناصرها المكونة، وهي آيات ناطقة، أنطقها العزيز الحكيم الذي أنطق كل شيء، ومشكلة نظاما دقيقا في غاية الدقة والروعة وشاهدة بالتمجيد والتعظيم والتنزيه لله عز وجل. ولقد حار علماء الذرة والعلوم الكونية في هذه النشأة العظيمة للكون، وهذه الترابطات النووية العميقة في أصغر جزئيات ذراته وما دونها المتفاعلة، والله تعالى هو الذي أحكم أسرار طاقاتها بما أودعه في بنياتها بعلمه وحكمته، فسبحان من خلق السماوات والأرض بالحق والأجل المسمى والذي قدر خلقه بعلم جلي مما نبصر ومما لا نبصر. السماوات والأرض فتقت من رتق: يقول الله عز وجل في محكم الكتاب: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا). الآية (2) من سورة الفرقان. اقتضت حكمة الله عز وجل أن جعل هذا الخلق العظيم لا ينتهي في مرحلة من مراحل خلقه وبنائه، بل أودع فيه بعلمه سبحانه ما يجعله يمتد في سعة إلى ما شاء الله، ولا ينتهي الأمر إلى هنا بل إلى طيه و تبديله بخلق آخر مبارك وذلك على الله يسير.. وتقتضي نظرية الانفجار الكبير أن الكون بدأ بانفجار واحد، وحالياً كما نشاهد فإن أي انفجار يلقي المادة ويفرقها كلياً، بينما الانفجار الكبير أنتج بشكل غامض وسري تأثيراً معاكساً فجعل المادة تتجمع وتتراكم مع بعضها البعض في شكل مجرات فالانفجار كما هو معروف ينشأ عنه فوضى وعبثية وليس نظاما، كما أشار كتاب الله، أما القرآن فسمي هذه العملية "الفـــتق" بعدما كانت رتقا (وتبينه الصورة التالية)
(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) (30) من سورة الأنبياء . ففتق الثوب لا يكون إلا بشكل دقيق وموجه، ومن قبل خياط ماهر، وليس بشكل عشوائي، فهذا الاصطلاح الدقيق هو الذي يعبر بعلمية باهرة عن هذه النشأة الكونية وعن هذا الخلق الذي هو آية من آيات الله عز وجل والفتق من الرتق يفتح آفاقا معرفية كبرى في معرفة هذه النشأة الكونية ان بداية النشأة الكونية كانت بعلم مقدر من الله عز وجل فهذا النظام الجلي والبديع في أدق جزئيات ذرات المادة ما كان ليشكل نظاما بديعا إن لم يكن أصلا نظاما بديعا، ومصطلح الانفجار الكبيرلا يجلي لنا بوضوح حقائق هذا النظام في أدق جزئياته بنظامها المحكم والتي فتقت من رتق بعناصرها المودعة بإحكام لتشكل السماوات والأرض وتظهر الحياة على الأرض في مرحلة من مراحل خلق الكون والتي ذكرها القرآن الكريم بكل مراحلها في اشارات باهرة ومحكمة. وكما هو معلوم إن هناك قوى غير مرئية ناجمة عن حركة الأجسام، سواء كانت هذه القوى أجراما سماوية ومنظومات، أم جُسيمات نووية، وهذه القوى باتزانها تحفظ السماوات في موضعها... وقد أشار كتاب الله لذلك بقوله تعالى (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) الآية (2) من سورة الرعد، و قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) الآية (41) من سورة فاطر. وهي ما يعرفها علم الفيزياء الحديث بالقوى الأربع. فالنظام الذري يخضع لنظام دقيق متماسك ومتوازن بقوى خفية لا نبصرها وأي اختلال أو تلاش في هذا التوازن الدقيق تفقد خصائص هذا النظام المتكامل المحكم ويزول. وهذه الأسس والأركان أودعها العليم الخبير في خلقه وآياته في خلقه بالحق والأجل المسمى، وهو نظام دقيق لا يتجلى إلا بدراسة أدق جزئيات المادة المخلوقة، وهذه الأسس المودعة متكاملة ومتشابهة في أنساقها وهي آية في الكمال والتناسق والجمال ودلالة قاطعة على أننا لا نبصر الا ما تراه العين وهناك حقائق خفية في هذه النظم المدهشة فيما لا نبصر لذا تبقى حقائق الفتق من الرتق المخلوق بعلم مكين لا نحيط بكل تفاصيله وجزئياته ولا زالت العلوم جد ضئيلة أمام هذا البحر الزاخر والعميق. وفي القرآن الكريم حقائق عظيمة واشارات جلية - لم يكتشف منها الا النزر اليسير - عن خلق السماوات والأرض. فهناك إعداد جد متناهي الدقة بين جزئيات المادة الكونية لتصير الى حال ما نراه ونشاهده اليوم، وكذا إلى ما ستؤول إليه… هذه المادة الكونية من انجذاب وانهيار وزوال وتبدل لتصير خلقا آخر مبارك…إذن، فهذا خلق عظيم لم يقم إلا بالحق والأجل المسمى، فهناك تحولات عميقة في المادة لتصير من حال إلى حال ما نراه ونشاهده اليوم، كما أن هذا النظام المتماسك والدقيق لم يأت عبر انفجار، بل هو خلق وآية، لأن الانفجار يؤدي بفهمك الى التبعثر والتلاشي وكأن هناك عبثية.. إن نظريات الفيزيائيين في هذا المجال أصبحت أكثر تجريدا، وقد تضاءل الفهم بعد بروز نظرية ميكانيكا الكم... وعندما أراد العلماء أن يقحموا مراقبتهم في مسرّعاتهم لمعرفة خبايا الذرة وجزئياتها وعجزوا عن تحديد معالمها اللا نهائية وتركيبها النووي بكل أسراره علما أن النظم الدقيقة والمودعة في قلب الذرة نجده أيضا في نظام الكون بأسره وهذه النظم هي التي تتحكم في ارساء دعائم الكون بمقدار دقيق ومعلوم، وهناك اشارات جلية في إن خلق الله ينبني على أسس من الحق والعدل في الخصائص والمواصفات ووحدته تتراءى في بديع صنعه في أدق جزئيات الذرة وما دون ذلك، وقد يستحيل علينا أن نفهم الكون دون أن نفهم أعماق مكونات الذرة، وتصنيف جزئياتها اللامتناهية، وفهم أسرارها الخفية. فهذا الخلق بكل أسراره هو من لدن عليم خبير وهو الخلاق العليم أما نظرية أو الانفجار الكبير فهي لا تعبر عن حقيقة هذه الأسس وهذا النظام الذي انبنى عليه الكون. الرتق مخلوق بعلم الله تعالى: فالكون آية من آيات الله عز وجل كما بين كتاب الله العزيز: (وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) الآية (22) من سورة الروم، فلقد تكلم القرآن عن النشأة من العدم بقوله تعالى (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) الآية (1) من سورة الانسان ، وأخبر سبحانه في اشارة جلية لمعالم هذا الخلق وبداية فصوله بقوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) الآية (30) من سورة الأنبياء ، وتكلم عن تكون السدم والمجرات والأجرام وعرفها بالدخان في فصل من فصول هذا الخلق المحكم بقوله تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) الآية (11) من سورة فصلت ، وذكر البناء الكوني واتساعه بقوله تعالى (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) الآية (47) من سورة الذاريات، وقوله تعالى أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32). الآيات من 27 الى 32 من سورة النازعات . كما ذكر كتاب الله عز وجل حبك السماء وأبواب السماء وفروج السماء ومعارجها وطباق السماوات، وذكر الطارق والنجم الثاقب والجوار الكنس وهي اشارة واضحة للحفر السوداء الموزعة بشكل دقيق في الكون لغايات حتمية مسبقة بعلم الله تعالى منذ فتقه لهذا الرتق. وهذا يدل دلالة عظيمة على هذا الخلق المتكامل في كل فصل من فصوله وما يهمنا في هذا البحث- فتقا من رتق. ففي اشارات عظيمة الدلالات ما أخبر به الله عز وجل عن حقائق متعلقة بهذه النشأة العجيبة وخلقه المحكم في أكثر من آية قوله تعالى (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) الآية (88) من سورة النمل، وقوله تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) الآية (3) سورة الملك، وقوله تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) الآية (1) من سورة الأنعام. وما نستقرئه من خلال آيات الله عز وجل أن هناك اتساقا محكما ونظاما بديعا متقن الصنع ونشأة محكمة ومتتابعة في فصولها وصيرورتها ومآلها توضح في جلاء حقيقة الفتق من الرتق والبداية الأولى في هذه النشأة العجيبة وهو مصطلح دقيق يصاحب كل مراحل هذه النشأة والمتتبع لأطوار هذا الخلق البديع سيرى دقة الاشارات القرآنية وتوافقها مع النظرة العلمية الراسخة في أكثر من فصل من فصول هذا الخلق كقوله تعالى (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) الآية (104) من سورة الأنبياء ، فالكثافة الكونية ان زادت عن ثلاث ذرات في المتر المكعب فهذا حتما سيؤدي الى توقف تمدد الكون وينقلب كل شيء، وينهار الكون على نفسه، وهذا يلاحظه العلماء في انهيار النجم في مراحله النهائية حيث يخضع لقوة رهيبة تسحبه نحو المركز تؤدي الى انهياره وانكماشه على نفسه ولعل هناك اشارة واضحة ما جاء في قوله تعالى (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (9). الآيتان 8 و 9 من سورة المرسلات. فالسماوات والأرض (الكو ن) (univers فتقت من رتق - نظام دقيق(متكامل في وحدته وأنساقه وجماله ولا تتسق مع مصطلح انفجار وأمره سبحانه كن فيكون ففي انطلاقة من صفر بدأ كل شيء في هذا الخلق وتتابعت فصوله والتي أحكمها الله تعالى بقوله سبحانه (كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) الآية 30 من سورة الأنبياء. والرَّتْقُ في اللغة: السَّدُّ. والفَتْقُ: الشَّقُّ. يقال منه: رَتَقَ فلان الفَتْقَ: إذا سَدَّه، فهو يرتقه رَتْقًا ورُتًوقًا. أخرج الطبري عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال:”كانتا ملتصقتين “. وعن عبيد بن سليمان، قال:”سمعت الضَّحَّاك يقول في قوله تعالى: (أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) الآية 30 من سورة الأنبياء ، وكان ابن عباس يقول: كانتا ملتزقتين، ففتقهما الله “. يقول باول ديفز (أستاذ الفيزياء النظرية – Paul Davies is a physicist, cosmologist and astrobiologist working at Arizona State University, where he is Director of a research institute): (رافقت قوة انفجار الكون العشوائية دقة في طاقة جاذبيته الثقالية لا يمكن تخيلها، و قُدر للمادة التي نتجت من الانفجار الكبير أن تكون أشكالاً منظمة مرتبة وهذا في الحقيقة شيء غريب وغير متوقع، وحدوث مثل تلك التوافقية والانسجام بين أجزاء الكون كله يقودنا إلى حقيقة هي أن الكون كله كان نتيجة الخلق الكامل من قبل الله تعالى، وقوة الانفجار الكبير لم تكن واضحة.. فهي ضربة قديمة..إلا أن مقادير انفجارها كانت مرتبة بعناية فائقة مختارة، ويقدر العلماء أنه يوجد أكثر من ثلاثمائة بليون مجرة في كل الكون، ولتلك المجرات عدد من الأشكال المختلفة (الحلزون، الإهليليجية..إلخ)، وأحد تلك النجوم هو الشمس ولها تسعة كواكب أساسية تدور حولها في توافق عظيم، انظر حولك: هل ما تقع عليه عينك يتسم بالفوضى والعشوائية، أم بالانتظام والدقة ؟ لكن كيف يمكن للمادة أن تكون قد شكلت مجرات منظمة إذا كانت تبعثرت عشوائياً ؟... لماذا تجمعت وتراكمت المادة عند نقاط معينة وشكلت النجوم ؟... كيف أمكن لتوازن الدقيق المرهف لمجموعتنا الشمسية أن انبثق من انفجار عنيف. تلك الأسئلة هامة جداً لأنها تقودنا إلى السؤال الحقيقي الذي هو: كيف تركب الكون بعد الانفجار الكبير؟) فاذا كان الانفجار الكبير في الحقيقة هو انفجار هائل وعظيم فمن المعقول أن المادة تبعثرت في كل مكان بشكل عشوائي، لكنها حالياً ليست كذلك وبدلاُ من ذلك نراها منظمة في كواكب ونجوم ومجرات وعناقيد مجرية، ومجرات فوق عنقودية، وعناقيد عملاقة، وكأن ذلك يماثل انفجار قنبلة في مخزن قمح، وأدى لسقوط كل حبات القمح على شبكة ذات أكياس مرتبة ملساء ومحزّمة بشكل بالات ومحمولة فوق عربات نقل وجاهزة للتسليم بدلاً من تناثرها كالمطر بشكل قطرات في كل اتجاه... ولقد عبر (فريد هويل) - الذي يعتبر معارضاً شرساً لنظرية الانفجار الكبير لعدة سنوات - عن دهشته الشديدة لهذا التركيب فقال): تقتضي نظرية الانفجار الكبير أن الكون بدأ بانفجار واحد، وحالياً كما نشاهد فإن أي انفجار يلقي المادة ويفرقها كلياً، بينما الانفجار الكبير أنتج بشكل غامض وسري تأثيراً معاكساً فجعل المادة تتجمع وتتراكم مع بعضها البعض في شكل مجرات (. وحتى الأنظمة الدقيقة لها عوالمها وأسرارها وهي عبارة عن نظام متكامل، فهذا الرتق المذكور في قوله تعالى (أو لم يرى الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما) الآية 30 من سورة الأنبياء، عبارة عن نظام دقيق بكل عناصره المخلوقة وهذه العناصر إنما فتقت بعلم الله النافذ، فالفتق من الرتق يحمل في معانيه ودلالاته علما كبيرا وزاخرا، وتعد من الأسس في هذه النشأة الكونية وهذا البناء الكوني العظيم. ولقد اعترف الفلكي الأمريكي جورج غرنشتاين) George Greensteinفي كتابه الكون التكافليThe symbiotic universe: Life and in the cosmos) كيف أنه من الممكن لقوانين الفيزياء أن تتشكل من نفسها وتتماثل مع الحياة، ومع كل دليل تتم معاينته فإنه تتجلى بإلحاح فكرة وجود قوة خارقة للطبيعة... إنه من الممكن وبشكل مفاجيء أن نثبت علمياً وجود الكائن الخارق ؟ فهل هو الله من تدخل وبشكل متعمد خلق وأبدع الكون لمنفعتنا. بالرغم من أن الملحد غرنيشتاين يتجاهل تلك الحقيقة البسيطة، ومع ذلك فهو لا يستطيع إلا أن يفكر ويتعجب، ومن ناحية أخرى فهناك علماء آخرون أقل إنكاراً وغروراً ومع ذلك فهم مستعدون للإقرار أن الكون قد صُمم خصيصاً لحياة الجنس البشري فيه... أما الفلكي الأمريكي هيوج روس Dr. Hugh Ross, Ph.D فقد أنهى مقالة:" تصميم ومبدأ الأنتروبي Design and the Anthropic Principle" بالكلمات التالية: (لابد أن هناك خالقاً عبقرياً متعالياً فائقاً ووراء نطاق الخبرة البشرية هو الذي أتى بالكون إلى الوجود، وهو الخالق الذي خلق الكون وهو الخالق المبدع المتعال الذي خلق كوكب الأرض وهو الذي خلق الحياة فيها). وهكذا، فإن العلم يدلل على حقيقة الخلق، وبالتأكيد يوجد إله خلق كل شيء حولنا المرئي منه واللامرئي. هو الخالق الوحيد الذي أقام هذا التوازن البارع اللاطبيعي، وصمم خصيصاً ليمكن المخلوقات الإنسانية من الحياة والعيش فيها، وقد وضح ذلك العالم ديفز في كتابه النسخة الكونية The Cosmic Blueprint. خلاصة واستنتاج: حقيقة الفتق والرتق الكوني علمها كامل وشامل وهي البداية في النشأة الكونية وفصولها المتتابعة بعلم الله تعالى العليم الخبير والذي قدر كل شيء فقدره تقديرا بعلمه وقدرته وحكمته وعدله ، وكتاب الله عز وجل يعطي اشارات راسخة في مجال كل العلوم ومنها العلوم الكونية وهي لتعد حقيقة مرجعا هاما للعلماء الذين يسعون الى معرفة حقائق عن هذا الخلق بكل فصوله البديعة وما اعتقده وفهمه البعض عن البداية الأولى في خلق السماوات والأرض بأنه انفجار فهذا خطأ فادح – ومصطلح لا يرقى الى علمية في شيء ولم يستجل حقائق كاملة ومودعة باحكام - بل هذا خلق وعلم مكين بكل فصوله. ----------------- المراجع: • كتاب الله عز وجل القرآن الكريم • الكون - تأليف دافيد برجاميني - مكتبة لايف العلمية - بيروت - 1971م. • الكون - تأليف كولين رونان - الأهلية للنشر والتوزيع - بيروت - 1980م. • الكون الأحدب - تأليف د. عبد الرحيم بدر - بيروت - لبنان - 1980م. • الكون الراديوي - تاليف جي. أس. هي -ترجمة عبد الكريم علي - بغداد -1991م. • جملة من البحوث التي نشرت في جريدتي ميثاق الرابطة ومنبر الرابطة • بحث عمر الريسوني عن خلق الكون منشور بجريدة ميثاق الرابطة ليوم الخميس 18 صفر 1420ه موافق 3 يونيو 1999م عدد 872 • Rapport cern czweig-Abdessalam • الثوابث العلمية في القرآن الكريم للدكتور عدنان الشريف • كبرى اليقينيات الكونية لفضيلة الدكتور الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي. |