المشرف العام : المهندس عبد الدائم الكحيل
من سِماتُ التَّاريخِ PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب الدكتور أحمد كنعان   

 

لابد لنا كمسلمين من معرفة تاريخنا وتاريخ الأمم من زاوية إيمانية وعلمية .....

من الملاحظات الملفتة للنظر في القرآن الكريم بيانه المتكرر بأن تاريخ هذا العالم تحكمه سنن ثابتة مطردة لا تتبدل ولا تتحول ، ومن ذلك قوله تعالى : (( فلن تجد لسنة الله تبديلاً ، ولن تجد لسنتنا تحويلاً )) فاطر 43 ، ولهذا نراه يردنا مراراً وتكراراً للنظر والتفكر والتدبر في قصص الأمم الغابرة لكي ينبهنا إلى تلك السنن فنستفيد منها في تجنب الأخطاء التي وقعوا بها وانتهت بهم إلى الانحطاط أو الهلاك ، ولهذا كان الباحثون المسلمون هم أول من تنبه لهذه الظاهرة وعرضوها عرضاً مستفيضاً في العديد من مصنفاتهم ، ويأتي في مقدمة هؤلاء الرواد العلامة الأندلسي ابن خلدون (1332 ـ 1406م) الذي أسَّس ما عرف فيما بعد بـ ( فلسفة التاريخ ) من خلال إبحاره العميق في رحاب القرآن الكريم ، ومطالعاته الواسعة في كتب التاريخ والروايات والسِّـيَر ، وقد أتحف ابن خلدون مكتبة الفكر التاريخي والاجتماعي برائعته الفريدة ( المقدمة ) التي عرض فيها الكثير من سنن التاريخ عرضاً مفصلاً يدل على إدراك عميق لهذه الظاهرة ، وتتأكد ريادة ابن خلدون لهذا الحقل الإنساني المهم إذا عرفنا أن الباحثين الغربيين لم يبدؤوا الحديث عن هذه الظاهرة إلا في القرن التاسع عشر الميلادي ، أي بعد ابن خلدون بخمسة قرون تقريبا(1) .

وقد كانت كتب التاريخ قبل ابن خلدون تضم جملة من الروايات التي لا رابط بينها ، فلما جاء ابن خلدون رتب هذه الروايات ترتيباً جديداً ، وراح يبحث عما يربط بينها من علاقات ، وأخذ يناقشها مناقشة ناقدة ، فخرج من ذلك بفهم جديد للتاريخ وللاجتماع البشري لم يسبقه إليه أحد من الباحثين ، وبهذا كان ابن خلدون هو المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع وفلسفة التاريخ ، ومما لا ريب فيه أن الفضل الأول في تحقيق هذا الإنجاز العظيم يعود إلى القرآن الكريم الذي تتلمذ ابن خلدون على أسلوبه البلاغي الفريد ، واستقى منه طريقته المميزة في التأريخ كما أشرنا في وقفة سابقة .

وقد كان لطريقة القرآن الكريم في عرض سنن التاريخ أثر عميق في نشأة الحضارة الإسلامية الأولى وتميزها عن مختلف الحضارات التي سبقتها ، فالعرب الذين لم يكن لهم علم ولا معرفة بالسنن الكونية ، جاء القرآن الكريم فدعاهم للتفكر في آيات الله المبثوثة في أرجاء الكون الفسيح ، وقدَّم لهم تلخيصاً وافياً عن السنن الأساسية التي تحكم مسيرة التاريخ ، حتى إذا استوعبوا الدرس وأدركوا أنهم لن يستطيعوا التمكين في الأرض إلا من خلال معرفة السنن التي تحكم هذا العالم ، تغيرت نظرتهم للكون والحياة تغييراً جذرياً ، وأصبحت لديهم قدرة باهرة على تسخير ما في أيديهم ، على قلة ما كان في أيديهم ، فانطلقوا في أرجاء الأرض ينشرون رسالة الهداية والتوحيد والرحمة والعدل ، ويقدمون للحضارة الإنسانية روائع الإنجازات العلمية الباهرة التي لم يسبق للبشر أن عرفوها ، وقد تم للمسلمين الأوائل هذا الفتح المبين في سنوات معدودات لا تعد شيئاً في عمر الزمان !

وهكذا .. حين يتعمق العقل البشري بفهم سنن الله في الخلق يصبح أقدر على تسخير العالم لصالحه ، وإن من يراقب اليوم الأوضاع المختلفة في أرجاء العالم ليدرك دون عناء السبب الحقيقي الذي جعل الدول الصناعية المتقدمة اليوم في مركز الصدارة والقيادة والسيطرة التي يظن معظمنا أنها ترجع إلى امتلاك تلك الدول قوى عسكرية ضاربة ، وموارد اقتصادية طائلة ، وهو ظنٌّ مبني على فهم خاطئ لسنن التاريخ والواقع ، إذ لم يكن لتلك الدول أن تحوز القوة العسكرية الضاربة والغنى الاقتصادي الكبير والتخطيط السليم بغير العلم ، وأول ما يعنيه العلم في هذا السياق هو المعرفة العميقة بسنن الله في خلقه وتسخيرها على الوجه الصحيح لتحقيق الأهداف المرجوة .

الملامح الأساسية لتاريخ العالم :

تشكل السنن الإلهية التي تحكم مسيرة هذا العالم منظومة متكاملة متداخلة تجعل كل ما في الوجود في تفاعل متبادل مستمر ، وهذا ما يضفي على تاريخ الوجود ملامح خاصة ، من أبرزها : تشابك الأحداث ، وتطورها المستمر ، وتغيرها وتسارعها المتواصل ، عصراً بعد عصر ، ويوماً بعد يوم ، ولحظة بعد لحظة ، كما نبين فيما يلي :

(1) تشابك الأحداث : حين نتأمل مجمل الأحداث التي جرت في هذا العالم عبر تاريخه الطويل نجد من أبرز ملامحه تلك العلاقة الوثيقة التي تربط الأحداث بعضها ببعض ، وإنك مهما بحثتَ أو نقَّبت أو فتَّشتَ فلن تجد في تاريخ هذا العالم حدثاً منفرداً جرى بمعزل عن بقية الأحداث ، وكأنَّ كل ما جرى منذ بدء الخليقة وحتى اللحظة الراهنة لا يعدو أن يكون حدثاً واحداً متواصلاً بدأ بكلمة الخالق العظيم : (( كُنْ )) فكان هذا التفاعل المتسلسل المتواصل من الأحداث التي ظل بعضها يأخذ برقاب بعض على مدار الأيام والسنوات والدهور ، حتى صح قول القائلين فيه : ( إن الحاضرَ غَرْسُ الماضي والمستقبل جَنْيُ الحاضر ) فكلُّ حدث من الأحداث التي شهدها العالم على مدار التاريخ جاء نتيجة للحدث الذي سبقه وكان في الوقت نفسه مقدمة للحدث الذي يليه ، حتى إن أحد أكبر الفيزيائيين المعاصرين وهو العالم البريطاني ستيفن هوكنج كتب يقول : ( .. إن حدثاً هيناً في أحد الأماكن قد يسبب تغيراً رئيسياً في مكان آخر ، فعندما تخفق فراشة بأجنحتها في طوكيو فإنها يمكن أن تسبب مطراً في منتزه سنترال بارك في نيويورك ! )(2)

وعلى هذه الصورة راحت الأحداث تتلاحق عبر الزمان والمكان ، حدثاً في إثر حدث ، وكأنما هي انفجار ذري متسلسل راح ينتشر في كل الاتجاهات ، ولو قُدِّر لنا أن نرى في وقت واحد كل ما جرى في هذا العالم من أحداث ، من لحظة الخلق الأولى وحتى اللحظة الراهنة ، لرأينا تلك الشبكة الخفية المعقدة من العلاقات التي تربط الأحداث بعضها ببعض ، وعندئذ سوف يتراءى لنا تاريخ البشرية أشبه بشجرة عملاقة متشابكة الفروع والأغصان والأوراق ، نبتت من تلك الحبة الشهية التي أكلها آدم وحواء في لحظة فريدة من لحظات الضعف البشري .. تلك الحبة التي مازلنا نسدد ثمنها حتى اليوم !

وانطلاقاً من ذلك الحدث الأول راحت الأحداث تمضي قُدماً في تفاعل متواصل ، أخذ ينتج المزيد والمزيد من الأحداث الجديدة التي لا تعرف التراجع ولا التكرار ، وهذا يعني أن العبارة الشهيرة التي تقول : ( إن التاريخ يعيد نفسه ) ليست أكثر من عبارة شاعرية مجازية لا تَمُتُّ إلى طبيعة التاريخ بأية صلة ، اللهم إلا إذا أريد بها السنن الإلهية التي تتحكم بمسيرة الأحداث ، فما من شك بأن كلَّ ما يجري في هذا الوجود من أحداث يخضع لسنن صارمة لا تتبدل ولا تتحول كما أسلفنا من قبل ، وهذه السنن قد تتيح الفرصة لوقوع أحداث تتشابه في خطوطها العريضة ، وأما الحدث نفسه فلا يمكن أن يستعاد أبداً ، لأنه بمجرد أن يقع يكون قد عبر بوابة الحاضر إلى الماضي ، وأمسى خبراً في سجلات التاريخ !

(2) التَّطوُّر : وتلك السمة من تشابك الأحداث وتفاعلها عبر العصور يضفي على الوجود سمة التطور المستمر الذي لا يعرف التوقف ولا التراجع ، بل يمضي قدماً إلى الأمام في خط صاعد ، ففي كل يوم ، بل في كل لحظة ، تتغير صورة الوجود ، ويتطور من حال إلى حال ، فالسماوات في بداية خلقها ظهرت في صورة غازية ( دخان ، حسب التعبير القرآني ) ثم صارت نجوماً وكواكب وتوابع وأقماراً ومجرات ، وكذلك مجموعتنا الشمسية وأرضنا التي مرت بتطورات عديدة متلاحقة على مدى مليارات السنين قبل أن تصير إلى الصورة التي هي عليها اليوم ، وكذلك الحياة والأحياء التي ظهرت في الأرض ، فقد بدأت جميعها من خلية واحدة ( نفس واحدة ، حسب التعبير القرآني ) ثم تناسلت وتوالدت بأمر الله عزَّ وجلَّ ، ونشأ منها أنواع لا تعد ولا تحصى من المخلوقات التي توجها ظهور الإنسان .. حامل الأمانة .

وهكذا مضى كل شيء في هذا الوجود على نهج من النمو والتطور ، عبر الأيام والسنين والدهور ، وهذه الظاهرة لا تنحصر في العالم المادي وحده ، ولا في الجمادات وحدها ، ولا في ظاهرة الحياة والأحياء فحسب ، بل تمتد لتشمل تطور المجتمع البشري أيضاً ، فهذا المجتمع الذي بدأ برجل وامرأة ( آدم وحواء ) لم يلبث أن تطور مع الأيام فتشكلت منه العائلة الصغيرة الأولى ، ثم الأُسَر الكبيرة والكثيرة ، فالعشائر ، فالقبائل ، فالأمم ، فالحضارات .. حتى أضحى المجتمع البشري اليوم يضم مليارات الأنفس وأكثر من مائتي دولة .

ولم يتوقف المجتمع البشري عند هذا الحد من التطور العددي ، بل دخل في القرن العشرين مرحلة جديدة متميزة من التطور الإداري والقانوني والتنظيم العالمي لم يعرف من قبل ، وربما تعود بداية هذه المرحلة الجديدة إلى العام ( 1919 ) الذي شهد تأسيس ( عصبة الأمم ) في أعقاب الحرب العالمية الأولى ( 1914 ـ 1918 ) بهدف تنمية روح التفاهم والتعاون بين الأمم ، ومنع الحروب والحفاظ على السلام العالمي ، ثم طورت هذه الفكرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية (1939ـ 1945) بإنشاء ( هيئة الأمم المتحدة ) عام 1945 بهدف لمَّ شمل المجتمع البشري كله تحت سقف نظام عالمي واحد ، بعد أن تفرقت به السبل طويلاً عبر التاريخ ، وقد أصبح لهذه المسيرة من التطور نحو ( العالمية ) دور لا ينكر في الاستقرار العالمي ولو بصورة نسبية ، وفي تنظيم العلاقات بين الدول ، ولا يغير من هذه الحقيقة ما يطرأ على هذه المسيرة بين الحين والآخر من انتكاسات أو انكسارات ، فالمحصلة الأخيرة تبقى آخر الأمر إيجابية ، ويبقى التوجه نحو العالمية أقوى من محاولات التشتت والتمزق ، ولا يستطيع منصف أن ينكر ما أحرزته البشرية حتى اليوم من تحسن ملموس في التنظيم الإداري والقانوني والسياسي على المستويين المحلي والدولي .. نعم .. مازالت هناك حروب ومآسٍ وحماقات بشرية ترتكب بين الحين والآخر ، هنا أو هناك ، إلا أننا حين نقارن الوضع الحالي للمجتمع البشري بالأوضاع التي كان عليها في العصور الماضية نجده قد أحرز تحسناً كبيراً يستحق التأييد ومواصلة التطوير ، وما من شك بأن هذا التحسن يعود بالدرجة الأولى إلى تلك الدروس البليغة التي أملاها علينا ومازال يمليها علينا هذا المعلم الأكبر .. التاريخ .. وإن كان وعينا بتلك الدروس قد جاء متأخراً عدة القرون .. ولنا عودة أخرى لمناقشة مسألة التطور نحو ( العالمية) بالتفصيل في لقاء قادم إن شاء الله تعالى .

(3) التسارع : ومن سمات تاريخ هذا الوجود أيضاً أن الأحداث فيه ظلت تمضي عبر الأيام والسنين والدهور بإيقاع متسارع ، يوماً بعد يوم ، وعصراً بعد عصر ، ومرحلة بعد مرحلة ، وإن من يتتبَّع الأحداث على مدار التاريخ ليلاحظ هذه الظاهرة بوضوح ، سواء منها الأحداث التي تتعلق بالعصور الجيولوجية الموغلة في القِدَم ، أو ما يتعلق منها بالتطورات الحيوية ( Biological ) التي تفتقت عنها البذرة الأولى للحياة واستمرت تتطور حتى أثمرت هذا التنوع الهائل من المخلوقات الحية ، أو ما يتعلق منها بفعل الإنسان نفسه عبر تاريخه وما أنجزه حتى الآن من وسائل أعانته على تسريع الأحداث ، فقد ظلت الأحداث على مَرِّ العصور تجري بسرعة أكبر فأكبر .. ونلمح إشارة صريحة إلى ظاهرة التسارع هذه في الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى يَتَقارَبَ الزَّمانُ ، وتكون السَّنةُ كالشَّهرِ ، والشَّهرُ كالجمعةِ ، وتكون الجمعةُ كاليومِ ، ويكون اليومُ كالسَّاعةِ ، وتكون السَّاعةُ كالضَّرْمَةِ بالنار ))(3) .

وربما كان التسارع الذي حققه الإنسان في وسائل مواصلاته خير شاهد على ظاهرة التسارع التي نتحدث عنها ، فقد بقي الإنسان يتنقل فوق هذه الأرض بسرعات بطيئة إلى وقت قريب جداً ، ثم أخذ خط التسارع يرتفع بقوة إلى الأعلى حتى وصل إلى سرعات مذهلة ما كان الإنسان ليحلم بالوصول إليها ، فقد تجاوزت في المركبات الفضائية ( 60 ألف كلم / ساعة ) !

وقد بلغ تسارع الأحداث في أواخر القرن العشرين حداً مذهلاً أصاب الكثيرين بالدوار ، وأصاب آخرين بصدمة نفسية عنيفة شلت تفكيرهم ، وعطلتهم عن الحركة ، وأخرجتهم من الحلبة إلى مقاعد المتفرجين ، وبخاصة منه ذلك التسارع المحموم في ميادين العلم المختلفة الذي راح مع كل طلعة شمس يفاجئنا بالجديد والغريب والعجيب !

وقد أجبر هذا التسارع المحموم مراكز البحث العلمي والشركات الكبرى وأصحاب القرار أن يتحولوا بأبصارهم إلى المستقبل خشية أن تفاجئهم الأحداث المقبلة بما لم يكن في الحسبان ، فتفشل برامجهم ، وتنقلب مشاريعهم رأساً على عقب ، وبخاصة منهم أولئك الذين وعوا الدرس الأهم من دروس التاريخ وهو أنك بمقدار ما تتمتع به من بُعد نظر وحَدْس مستقبلي دقيق بمقدار ما تجيد توظيف المستقبل لصالحك وتتجنب كوارثه المدمرة الآتية إليك على عجل ، على النقيض من الذين يتجاهلون المستقبل ويُؤْثرون القيلولة في ظلال الماضي على أمل الفوز ببعض أحلامه التي لن تتحقق ، فإن الضريبة التي سوف يدفعونها هم وذراريهم من بعدهم سوف تتضاعف أضعافاً كثيرة ، وذاكرة التاريخ حافلة بقصص هؤلاء الحالمين الذين يعيشون الماضي في الحاضر ويرفضون التفاعل مع إيقاع العصر ، ولا يكتشفون الحقيقة المُرَّة إلا بعد فوات الأوان .. بعد أن يكون القطار قد فاتهم إلى غير رجعة !

نعم .. قد يكون للماضي سحر خاص ، وتأثير طاغ يجعلنا نحنُّ للرجوع إلى ظلاله الوارفة ، بغض النظر عما كان في هذا ( الماضي ) من خير أو شر ، أو سعادة أو شقاء ، وهذه نزعة فطرية مغروسة في الطبيعة البشرية لا ننكرها ولا نستغربها ، بل نعتقد أن لا قدرة للإنسان على الفكاك التام من أسرها ، لكننا نرى في الوقت نفسه أن نزعة الحنين إلى الماضي لا يجوز أن تغرقنا في أحلام اليقظة التي تُخَيِّل لنا أن الماضي يمكن أن يعود إلينا ونعود إليه ، فذلك ماضٍ ولى وانتهى وأمسى خبراً في ذمة التاريخ ، ولن يفيدنا في شيء إلا بمقدار ما يمنحنا من ( نفحة روحية ) تساعدنا على المواصلة نحو مستقبل أفضل !

(4) التغير : وهو يعني إن السمات الثلاث التي ذكرناها للوجود ، من تشابك الأحداث وتطورها وتسارعها ، لا تعمل منفصلة بعضها عن بعض ، بل هي تعمل في تفاعل مستمر يشبه التفاعلات الكيميائية النشطة التي تبدأ باختلاط عناصر بسيطة وتنتهي بإنتاج مركبات في غاية التعقيد ، فكذلك بدأ هذا الوجود بأمر الله عزَّ وجلَّ من عناصر بسيطة جداً هي البروتونات والنترونات والإلكترونات ، ثم الدخان والماء ، وانتهى إلى هذا التنوع المذهل في المخلوقات والظواهر العظيمة التي تحيِّر الألباب !

وهذا التفاعل النشط ما بين السمات الثلاث ( تشابك الأحداث ، التطور ، التسارع ) هو الذي يضفي على الوجود سمة الحياة ، ويجعله أشبه بالجسد الحي الذي لا يتوقف عن النمو والتغير والتجدد ، وقد وصلت معدلات النمو والتجدد والتغير خلال العقود القليلة الماضية إلى حد مذهل من التسارع بات يهدد بانقراض الذين فقدوا القدرة على التكيف مع هذه التغيرات ، وتنبئنا سجلات التاريخ أن الذين حاولوا في الماضي أن يتمردوا على سنة التغيير قد حنِّطوا وأرسلوا إلى متاحف التاريخ ، حيث الظلمة والبرودة وغبار النسيان ، ولهذا السبب نجد القرآن الكريم ينحو باللائمة مراراً وتكراراً على الذين رفضوا التغير والتكيف بحجة المحافظة على سنن الآباء والأجداد ، الذين لا يملون من ترديد معزوفتهم المفضلة دون وعي ولا بصيرة : (( إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلَى أمَّةٍ وإِنَّا عَلَى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ )) الزخرف 23 .

ويذكرنا القرآن الكريم في أكثر من آية أنَّ سنة التغير هي إحدى السنن الإلهية الأساسية المطردة في هذا الوجود ، وأنَّ الذي يعاندها تكسره وإن كان مؤمناً ، وهذا ما يحتم علينا أن نعي طبيعة العصر الذي نعيش فيه ، وأن نتفاعل معه تفاعلاً إيجابياً لا ينكر تغيراته ، بل يتفاعل معها تفاعلاً إيجابيا خلاقاً ، وإلا كان مصيرنا الكسر ، وبخاصة بعد هذه التغيرات العميقة المتسارعة التي طرأت على الدنيا في العقود الأخيرة ووضعت العالم على مفترق طريقين لا ثالث لهما ، أحدهما ينتهي بالخروج من حلبة التاريخ إلى غير رجعة ، والآخر يتجه بقوة نحو المستقبل بكل ما ينطوي عليه المستقبل من تحديات ومفاجآت وأحلام وأوهام ، وربما كنا نحن المسلمين أحوج أهل الأرض اليوم لأن نعي هذه الحقيقة قبل فوات الأوان ، فقد باتت الشقة بيننا وبين العصر أوسع بكثير مما نظن ، وإنَّ أخشى ما نخشاه أن يأتي علينا يومٌ ننفصل فيه عن العالم ، نحن المكلفين بالشهادة عليه كما قال تعالى : (( وكذلكَ جَعَلْناكُم أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ على النَّاسِ وَيَكونَ الرَّسُولُ عليكم شَهيداً )) البقرة 143 .

وحتى لا نقع في هذا المأزق المصيري يجدر بنا أن نكون واعين تماماً لمهمتنا في هذه الحياة ، مدركين طبيعة العصر الذي نعيش فيه ، علماً بأن الإشكالية هنا لا تنحصر فقط بحجم التغير الذي طرأ على العالم في العقود القليلة الماضية ، بل ترتبط أيضاً بتسارع هذا التغير ، فقد أكدت مختلف البحوث التي أجريت في ميادين العلم المختلفة أن جيلنا الحالي قد شهد من التغيرات ما يعادل أو يفوق كل التغيرات التي طرأت على الدنيا منذ بدء التاريخ البشري وحتى ولادة جيلنا ، وكأن جيلنا قد ولد في منتصف التاريخ ، وهذا ما يحتم علينا التفاعل الإيجابي مع روح العصر ، والتخطيط بعقلية بعيدة النظر لمواجهة التحديات المستقبلية الكبيرة التي لن تلبث أن تفاجئنا على الأبواب ، وهذا ما سوف نعود للحديث عنه بالتفصيل في حلقة قادمة بإذن الله تعالى .

------------

بقلم الدكتور أحمد محمد كنعان

 

الهوامش

(1) انظر : التفسير الإسلامي للتاريخ ، ص 109 ، د . عماد الدين خليل ، دار العلم للملايين ، بيروت 1981 .

(2) ستيفن هوكنج : الكون في قشرة جوز ، ص 99 ، ترجمة د . مصطفى إبراهيم فهمي ، سلسلة عالم المعرفة ، العدد 291 ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الكويت 2003 .

(3) صحيح الترمذي للألباني 1901 ، وصحيح الجامع 7422 ، وأخرجه الإمام أحمد بلفظ ( كاحتراق السعفة )