شبهة تعدد القراءات PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب الدكتور محمد دودح   

 

يطرح بعض المشككين أسئلة يعتقدون أنهم وجدوا أخطاء في القرآن ولكن ما هي الحقيقة؟..

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, فقد وردني سؤال حول كيفية الرد على المغالطة باتهام القرآن كيدا بالاضطراب والتحريف استنادا إلى تعدد القراءات, والمفارقة أن التهمة التي يشيعها اليوم المتربصون بالإسلام ثابتة قطعا على الأسفار, وهي شبهة قديمة قد ردها الفضلاء, وقد جمعت بعضا مما قالوا التفافا حولهم واعترافا بفضلهم, وأحببت بيان بعضا من جوانب إعجاز القرآن إفحاما للطاعن, وأسأل العلي القدير التوفيق:       

(1) معجزة القرآن في إعلان تحريف الأسفار:

كشف القرآن تحريف أسفار أهل الكتاب قبل اكتشاف الوثائق وتوالى الشهادات والاعترافات لتتجلى معجزة الإنباء بالغيب, قال تعالى: ﴿يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ المائدة: 41, وقال تعالى في موضعين مؤكدا: ﴿يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مّوَاضِعِهِ﴾ النساء: 46 والمائدة: 13, وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لّلّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمّ يَقُولُونَ هََذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا يَكْسِبُونَ﴾ البقرة: 79, وقد حاولت اليوم أبواق الحملة العنصرية على الإسلام التغطية باتهام القرآن بالتحريف استنادا إلى تباين القراءات, ولكن يكفي لدفع الشبهة القول بأن تباين قراءة بعض الألفاظ كانت رخصة محدودة بزمن التنزيل كنوع من التيسير لتباين ألسنة القبائل ولم تزد عن عصر الخلفاء بينما استمر التلاعب بالأسفار فكثر الاختلاق والاختلاف والتناقض ولم يبق سوى ترجمات وضاع الأصل؛ حتى رفضت فرقة (البروتستانت) جملة أسفار وصفتها بأنها دخيلة مزورة وملفقة مكذوبة واعتبرها غيرهم (الكاثوليك والأرثوذكس) قانونية ومقبولة وإن سموها بالأسفار القانونية الثانية Apocrypha, والتحريف Deviation يعني تغيير الوجهة لغير القصد, فشمل في تاريخ الدين وثنية التثليث التي فرضتها المجامع الكنسية في القرن الرابع لوجهة تخالف الأصل, وشمل عنصرية جعل رحمة رب العالمين حكرًا على شعب وسلب الغير من كل الحقوق, أما تباين القراءات فلا يخالف أصل في الدين, وهو عند البلاغيين مثل تنوع الأساليب؛ مهارة وبراعة واقتدار في البيان ومرونة تثري الدلالة وتؤكد القصد, فكيف يستقيم إذن وصفه بالتحريف!.

فشتان بين المرونة في تنويع الأسلوب واللفظ وبين نقض دعوة كل الأنبياء إلى وحدانية الله تعالى والانتكاس بنسبة القداسة لغير الخالق؛ فضلا عن اختلاق واختلاف وتناقض وأغلاط علمية كشفها المحققون؛ كتصنيف الأرنب الداجن أو البري (الوبر) ذي المعدة الواحدة من الحيوانات المجترة مثل البقرة التي لها أكثر من معدة, وكتصنيف الجمل من ذوات الحافر الواحد مثل الحصان؛ وهو من مشقوقات الحافر له أصبعين: "إلا هذه فلا تأكلوها مما يجترّ ومما يشق الظلف المنقسم؛ الجمل والأرنب والوبر لأنها تجترّ لكنها لا تشق ظلفا فهي نجسة لكم" تثنية 14: 7و8, فمحاولة التمحك والتذرع إذن بتباين القراءات مهاترة ومغالطة لا تدفع قطعًا أن الأسفار صنعة يد باعترافات لاهوتيين وشهادات محققين, إنه إذن التعنت في مواجهة الحقيقة, قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمّ يُحَرّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ البقرة: 75.

والأسفار لم تكن متاحة للعامة بشهادة القرآن الكريم التي لم يرد قط أن أحدا من أهل الكتاب قد تجرأ على ردها زمن تنزيل القرآن الكريم, قال تعالى: ﴿إِنّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولََئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاّ النّارَ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ البقرة: 174, وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اللّهُ عَلَىَ بَشَرٍ مّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىَ نُوراً وَهُدًى لّلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ الأنعام: 91, وقال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِالتّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ آل عمران: 93, فمن أين إذن استمد القرآن الكريم نبوءته وقبل أن تصدقها الأيام أكد بإصرار على تحريف الأسفار!, وتحريف أسفار أهل الكتاب لا يقبل بالفعل اليوم الشك خاصة بعد الكشوف الأثرية التي أيدت أن التوحيد هو الأصل, ولا يوجد نص صحيح واحد يمكن نسبته إلى النبي عيسى عليه السلام يدعو إلى وثنية التثليث التي نشرتها مجامع الكنيسة ابتداء من القرن الرابع الميلادي في ربوع الدولة الرومانية, وفقرة التثليث مثلا في رسالة يوحنا الأولى (5: 7): "فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد"؛ قد تبين للمحققين من اللاهوتيين أنها مزيفة ليست في الأصول اليونانية القديمة؛ فتم حذفها من الترجمة الرهبانية اليسوعية المطبوعة سنة 1986, ومن التراجم الكاثوليكية العربية الحديثة, ومن الترجمة الفرنسية المسكونية, ومن ترجمة لوي سيجو الفرنسية, ومن جميع الترجمات الغربية الحديثة مثل الترجمة القياسية الانجليزية ونسخة الملك جيمس الجديدة المنقحة؛ إلا ان البروتستانت ما زالوا يطبعونها ضمن الترجمة العربية, قال ويلز: "لا يوجد دليل على أن حواريي المسيح اعتنقوا التثليث", ويقول أدولف هرنك: "صيغة التثليث هذه التي تتكلم عن الآب والابن والروح القدس غريب ذكرها على لسان المسيح ولم يكن لها وجود في عصر الرسل..، (وحتى) بولس لا يعلم شيئاً عن هذا", واحتمل جيروم أن يكون إنجيل متى قد طرأت عليه توسعة وتعديل, فأين الإلهام هنا إذن يا فطين في عمل الكتبة والمترجمين؛ وقد حرفوا الأصل!, ولك أن تسأل: من أين جاءت وثنية التثليث؟, ويجيبك قاموس الكتاب المقدس قائلا: "الكلمة نفسها (التثليث) أو (الثالوث) لم ترد في الكتاب المقدس ويظن أن أول من صاغها.. ترتليان Tertullian في القرن الثاني للميلاد.. وأخيراً ظهر اثناسيوس (295م ـ 373م).. واضعاً أساس العقيدة.. التي قبلها واعتمدها مجمع نيقية في عام 325 ميلادية.., ولقد تبلور قانون الإيمان الاثناسيوسي على يد أغسطينوس في القرن الخامس وصار القانون عقيدة الكنيسة الفعلية من ذلك التاريخ إلى يومنا هذا, ولا يستطيع دارس هذه العقيدة أن ينسى المصلح جون كلفن الذي عاش في القرن السادس عشر، ونبَّر (أكد) على التساوي التام بين الاقانيم الثلاثة في هذه العقيدة التي يلزمها مثل هذا التنبير (التأكيد) من وقت إلى آخر على مر الزمن"!, وقد بدأ مجمع نيقية جلساته في 20 مايو سنة 325م للتصويت حول طبيعة عيسى عليه السلام؛ أهو رسول مؤيد بالمعجزات أم أنها لا تصدر عن بشر, حيث اختير برعاية الملك قسطنطين رأي 318 ممن تبنوا القول أنه (ابن الله) على ظاهر اللفظ لا المجاز من أصل 1800 أسقفا (17,6%), وانتهى المجمع بقرار تأليه المسيح وخالف بقية المجتمعين المشايعين لأريوس الداعي إلى أن المسيح ليس سوى نبي كسواه, كما أمر المجمع بإتلاف كل الأناجيل التي تعارض قراره, وقد رفض نسطور تأليه المسيح فحوكم في مجمع أفسس سنة 431م, وقد يرد على خاطرك سؤال: من هو ترتليان هذا حتى يُعتمد قوله بالتثليث إلى اليوم؟, ويجيبك التاريخ بأنه أحد أتباع مونتانوسMontanus  الذي ادعى النبوة في نهاية القرن الثاني وبعد أن كثر أتباعه كان يؤكد أنه هو الله نفسه.

وقد تم نشر كتاب الأب الفرنسي أسطفان شربنتييه "دليل إلى قراءة الكتاب المقدس" في 12 تشرين الثاني عام 1982, وترجمه للعربية الأب صبحي حموي اليسوعي, وقدم له الأب أنطوان أودو اليسوعي أستاذ الكتاب المقدس بجامعة القديس يوسف في بيروت, وقال كاتبه حرفيا (ص8): "إن الكتاب المقدس لا سيما العهد القديم كتاب محير, نعلم قبل أن نفتحه أنه الكتاب المقدس عند اليهود والمسيحيين ونتوقع أن نجد فيه كلام الله غير ممزوج بأي شيء.. وعندما نفتحه نجد فيه.. روايات لا نستطيع أن نقرأها بصوت مرتفع دون أن نخجل.. وفضائح أخلاقية.. مبغضة للنساء", وقد وصف فريدريك جرانت أسفار الكنيسة في كتابه (الأناجيل أصلها وتطورها) بقوله: "كتاب غير متجانس.. شتات مجمع.. يمثل وجهات نظر مختلفة", وأيده اعتراف الكنيسة: "الكتاب المقدس قد اشترك فيه أكثر من أربعين كاتباً وفى فترة زمنية تزيد عن 1600 سنة", وقد وصفت جملة عبارات في أسفار أهل الكتاب الرسائل والكتب فيها بالتحريف صريحا: "فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا.. أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضاً" رسالة بطرس الثانية 3\16, "كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا حقا إنه إلى الكذب حوّلها قلم الكتبة الكاذب" إرميا 8\8, "أما وحي الرب فلا تذكروه بعد إذ قد حرفتم كلام الله الحي" إرميا 23\36, "بلا عذر.. لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم.. وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء وأبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى.. عبدوا المخلوق دون الخالق" رومية 1\20-25, فأي دليل إذن ينتظره الفطين أكبر من تصريح الأسفار ذاتها على تحريفها وشيوع الدخيل؛ شهادة بصدق نبأ القرآن الكريم!.

(2) مخطوطات البحر الميت شاهد عيان على تحريف الأسفار:

في كتاب "خداع مخطوطات البحر الميت" الصادر في لندن عام 1991 اتهم كاتبيه مايكل بيجنت وريتشارد لي الفاتيكان بإخفاء معلومات مخالفة للتعاليم الكاثوليكية وتحريف ترجمة اللفائف التي أكملت البعثات اكتشافها عام 1956 بكهوف قمران غرب البحر الميت على بعد حوالي 13 كم جنوب أريحا, ومنذ أوائل التسعينات اشتدت الحملة الإعلامية خاصة في الصحف الأمريكية مثل نيويورك تايمز وواشنطون بوست لكشف ما سترته لجنة المخطوطات الكاثوليكية الأعضاء مما يخالف الأسفار الحالية ويعارض المعتقدات اليهودية والمسيحية السائدة اليوم, وشاعت شهادات المحققين واعترافات اللاهوتيين بوجود اختلافات جذرية لا يبررها السهو وأخطاء النسخ بين الأسفار الحالية ومحتويات تلك اللفائف التي كتبت بالآرامية والعبرية في الفترة بين القرن الثاني ق.م ونهاية القرن الأول الميلادي, ووفق المصادر المسيحية كمؤسسة الدراسات العلمية للأسفارInstitute for Biblical & Scientific Studies وموقع بيت الله الحي: لم يعثر على أثر لسفر أستير مما يؤيد أنه دخيل, وسفر أشعياء مختلف ويوجد 15 مزمور غير معروف سابقا, ووجدت عدة أسفار لم تكن معلومة من قبل؛ وهي: أقوال موسى وسفر اليوبيل وسفر نوح وسفر لاوي وطوبيا وحكمة سليمان.

وفي قصة بسفر دانيال منسوبة في صحف قمران للملك البابلي نابونديوس أيدت ما أعلنه سابقا ولفرام فون سودين  Wolfram von Soden من اتهام الكتبة بالتحريف المتعمد خاصة مع تكراره عشرين مرة في الأسفار الحالية بنسبة القصة إلى الملك الأكثر شهرة نبوخذنصر تضخيما للحدث, وقد عرف ولفرام ان القصة عن نابونديوس وليست عن نبوخذنصر قبل اكتشافات البحر الميت بعد أن كشف نقش حجري وُجد بالعراق أن بلشاصر هو ابن نابونديوس بخلاف السفر الحالي لدانيال الذي يجعله ابن نبوخذنصر ليتماشى مع التحريف, وفي سفر صموئيل 1 (17: 4) في صحف قمران جليات طوله أربعة أذرع وشبر وتم تضخيمه في الأسفار الحالية إلى ستة أذرع وشبر, أي ما يقارب أربعة أمتار (360 سم), وهكذا انتشر نقد الأسفار في المجتمع الغربي, ولم يعد مستغربا عرض الكثير من الأفلام الوثائقية التي تشكك في مصداقيتها وتؤيد سبق القرآن الكريم في اتهامها بالتحريف بمشاركة العديد من المحققين حتى من اللاهوتيين؛ ومن تلك الأفلام: من كتب الكتاب المقدسWho Wrote the Bible ؟, والأناجيل المفقودةThe Lost Gospels , وهل الترجمات الحديثة للكتاب المقدس جديرة بالثقة Are Modern Bible Translations Trustworthy؟, ولا عزاء إذن للمخدوعين والمضللين بزعم الكنيسة أن الأسفار الحالية قد سجلتها أجيال الكتبة بإلهام وأنها خالية من التحريف وصالحة للتعليم!.

(3) اتهام بلاغة القرآن مهاترة:

ليست الدلالة في اللغة التي نزل بها القرآن مقصورة على المعنى المعجمي وحده, فالوظيفة الدلالية تتضح وفقا للسياق Context أو المقام والموقف والمناسبة Situation, ولذا قد يدل التعبير سياقا عكس ظاهره, وعبارة لا تقصر العبادة على الله تعالى وحده وفق ظاهرها مثل ﴿فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ﴾ تفيد في السياق التهديد بعقاب من يعبد سواه في قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ قُلْ إِنّ الْخَاسِرِينَ الّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ الزمر: 15, ومثلها العبارة: ﴿اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ تفيد سياقا التهديد في قوله تعالى: ﴿إِنّ الّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيَ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن يُلْقَىَ فِي النّارِ خَيْرٌ أَم مّن يَأْتِيَ آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فصلت: 40, وللفواصل أو الوقفات pauses دور دلالي حاسم عند علماء اللغة والتجويد, وكمثال على الوقف اللازم أو الواجب قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنّكَ إِذَاً لّمِنَ الظّالِمِينَ﴾ البقرة: 145؛ حيث لا يجب وصله بما بعده وإلا اختل المعنى, وهو قوله تعالى: ﴿الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ البقرة: 146, والوقف يدفع التوهم أن أهل الكتاب جميعا ظلمة؛ فيشمل الذم من أسلم منهم وشهدوا بالحق كعبد اللّه بن سلام وأصحابه, ولكن الوقف احتياط يتجنب ذمهم, ولو وُصِل الكلام لأوهم معنىً غير المعنى الملائم للمقام, والكتاب الكريم يتميز بتنويع في النظم؛ وكل حركة صرفية أو إعرابية أو التفات أو تغيير في ترتيب أو قراءة أو رسم له أثر دلالي ويكشف جانبا من الاهتمام, ومن عجب أن يتفرد القرآن بتوافق النظم في كل حركة مع المضمون؛ بل ويحافظ علم التجويد على صبغ كل تلوين انفعالي بما يناسب أجواء المشهد, والقراءات بالمثل تنويع دلالي وتلوين بلاغي وتوظيف لأقصى القدرات باللفظ كما أن الرسم توظيف لأقصى القدرات بالنقش, وللقرآن في كليهما مآثر, فالقراءات توسعة في المبنى وزيادة في المعنى وتجلية لوجوه بنفس المضمون كجوهرة تتلألأ جوانبها أو كبناء توسعت ساحاته وزادت فخامته, ولو وجدت نزاهة في التحقيق وأمانة في النقد لاعتبر ثبات القراءات بعد عصر التنزيل دليلا على حفظ القرآن بخلاف كل ما ينسب سواه للوحي, والرسم كذلك كالقراءات قد يتميز في موضع لعلة دلالية, فالتاء لكلمة (رحمة) قد ترسم مفتوحة (رحمت) في موضع يستقيم فيه بيان سعة الرحمة, ومثل تلك المآثر قد تغيب عن المترصد غير المدرك لبلاغة القرآن وروائعه في التعبير فيتصيد مغترا ويظنها خطأ في البيان فيفتضح تعنته وكيده, ناهيك على أن بلغاء العرب لم ينكروا تنوع القراءات, ولو كان تنويع الأساليب والألفاظ مذمومًا لمجوه وعابوه لحرصهم على الذم؛ خاصة أنه تحداهم واستثار حميتهم وطالبهم مرارًا أن يضاهوه, ولكن بلاغته قد بهرتهم وعجزوا عن تحديه؛ فكيف يتخذها إذن مطعنًا من هو دونهم قدرة في البيان!.

وفي مواضع يُجمل القرآن الكريم ويُفصل في سواها, وبالمثل في قراءة ترد دلالة وتستوفي سواها نفس الدلالة وتفيض بمعنى يؤكدها ويثريها, واتخاذ تباين القراءات إذن ذريعة للطعن وللاتهام بالتحريف اجتراء وتجني خاصة مع اجتزاء قصة هزيمة المسلمين في أحد, ولتستبين لك الجناية على الكتاب العزيز دعنا إذن نتأمل السياق في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ. إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ وَيَتّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الظّالِمِينَ. وَلِيُمَحّصَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ. أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ. وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ. وَمَا مُحَمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفإِنْ مّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىَ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ. وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مّؤَجّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الاَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ. وَكَأَيّن مّن نّبِيّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبّ الصّابِرِينَ﴾ آل عمران: 139-146, قال الرازي المتوفى سنة 606هـ في تفسيره (ج4ص406): "اعلم أنه تعالى من تمام تأديبه قال للمنهزمين يوم أحد: إن لكم بالأنبياء المتقدمين وأتباعهم أسوة حسنة، فلما كانت طريقة أتباع الأنبياء المتقدمين الصبر على الجهاد وترك الفرار؛ فكيف يليق بكم هذا الفرار!", وقال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره (ج4ص141): "الْمَعْنَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ خَلَوْا قَدْ قَاتَلَ مَعَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.. فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ أَيْ مَا ضَعُفَ مَجْمُوعُهُمْ بِمَا أَصَابَ بَعْضَهُمْ مِنَ الْجُرْحِ وَبَعْضَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ (فرضا) هُوَ النَّبِيَّ نَفْسَهُ.., وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ (قُتِلَ مَعَهُ); وَلِذَلِكَ رُسِمَتِ الْكَلِمَةُ فِي الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ بِغَيْرِ أَلْفٍ لِتَوَافُقِ الْقِرَاءَتَيْنِ، أَيِ اسْتُشْهِدُوا فِي الْقِتَالِ مَعَهُ", وقد قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفإِنْ مّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىَ أَعْقَابِكُمْ﴾ آل عمران: 144, فقتل الأنبياء في التعبير إذن افتراض لغاية المأساة التي لا يجب معها الفرار؛ فكيف يفر إذن من لم تصبه مأساة فقد القائد!, فالمضمون إذن في الحالتين واحد لم يتغير بتنوع القراءة وإنما زاد تأكيدا؛ وهو أن الواجب ألا يهن المسلمون في القتال ويفروا مثلما كان أتباع الأنبياء حتى لو قُتل فرضًا أنبيائهم عليهم السلام.

فكما ترى لم تنقض القراءة سواها وإنما زادتها تأكيدا, فكيف يليق إذن بفطين وصف المضمون الواحد بالتحريف وقد أكدته ميزة تنويع البيان!, قال الرافعي: "وإذا تم هذا النظم للقرآن مع بقاء الإعجاز الذي تحدى به ومع اليأس من معارضته على ما يكون في نظمه من تقلب الصور اللفظية في بعض الأحرف والكلمات..؛ فقد تم له التمام كله وصار إعجازه إعجازاً للفطرة اللغوية في نفسها حيث كانت وكيف ظهرت ومهما يكن من أمرها".

(4) التوسع في المعاني بتعدد القراءات معجزة بيانية:

يشيع المشككون طعنا لا تحقيقا أن تباين القراءات ليس قائما على الرواية والنقل بالإسناد والقراءة تسميعًا؛ استنادا إلى أن رسم المصاحف في البداية كان بغير نقط وبغير تشكيل, ولكن القراءات تسميعا قد سبقت جمع ونشر الرسم؛ ولذا القراءات عند علماء الإسلام هي الأصل وليس الرسم, نقل الطبري في تفسيره (ج1ص95) عن ابن عباس (رضي الله تعالى عنهما) قوله أنّ: "معنى (القرآن).. القراءة؛ فإنه مصدر من قول القائل قَرأتُ", والتنوع في ألفاظ القراءات يماثل كثيرا التنوع في عرض القصص القرآني لإبراز أحد الجوانب بكل موضع توسعًا في البيان بغير تناقض وتضاد، قال ابن عاشور (ت 1393هـ): " لا مانع من أن يكون مجيء ألفاظ القرآن على ما يُحتمل.. (من) الوجوه مراداً لله تعالى ليقرأ القراء بوجوه فتكثر من ذلك المعاني، فيكون وجود الوجهين فأكثر.. (يماثل) آيتين فأكثر (أي: من غير تناقض أو تضاد)"، وفي قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمّ نَكْسُوهَا لَحْماً﴾ البقرة: 259؛ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (ننشرها) بالراء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي (ننشزها) بالزاي, ومعنى (ننشرها) نحييها ونبعثها بعد موتها، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ. ثُمّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ﴾ عبس 21و22, وقوله تعالى: ﴿وَاللّهُ الّذِيَ أَرْسَلَ الرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىَ بَلَدٍ مّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النّشُورُ﴾ فاطر: 9, ومعنى (ننشزها) نقيمها ونرفعها كحالتها الأولى، ومنه نشوز المرأة وهو تطاولها وارتفاعها على زوجها, ومنه (انشُزُواْ) أي (ارتفعوا) في قوله تعالى: ﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسّحُواْ فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ يَرْفَعِ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ المجادلة: 11, فحاصل القراءتين بيان كيفية إحياء الموتى؛ وذلك في قراءة بإحياء العظام وفي أخرى بإقامتها ورفع بعضها إلى بعض وإعادة الإنسان لسابق هيئته, فدلتا على قدرته سبحانه وتعالى على البعث في خصوص وعموم أشبه ما يكون بنص مجمل في موضع ومفصل في سواه؛ والرسم بغير نقط واحد, وبالمثل كلمة (مالك) في قوله تعالى: ﴿مََلِكِ يَوْمِ الدّينِ﴾ الفاتحة: 4؛ فيها قراءتان برسم واحد: (مالك) بقراءة حفص وآخرين, و(مَلِك) بقراءة نافع وآخرين, ومعنى (مالك) أي القاضي المتصرف وحده تعالى في شئون يوم القيامة, أما معنى (مَلِك) فهو أعم لأنه يعني تصويرا من بيده الأمر والنهى ومقاليد كل شيء يوم القيامة, وكلا المعنيين لائق بالله تعالى بلا أدنى تعارض في المضمون، والتنويع بغير تناقض وتضاد يؤكد أن القراءات المتواترة مقصد توقيفي أصيل يصونها عن النسبة لمجرد الاجتهاد ويبرز ميزة تعبير القرآن بكونه ثري بالمعاني Highly informative, وهنا يبرز جانب من إعجاز القرآن بوحدة المضمون رغم التنويع والتوسع في التفاصيل تحديا بتعدد القراءات وتعريضا بكل ما ينسب سواه للوحي لشيوع اختلاف التناقض والتضاد مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾ النساء: 82.

وأول من ينسب إليه تدوين القراءات هو يحيى بن يعمر (ت 89 هـ) وتلاه العديد ممن حافظوا عليها مثل أبان بن تغلب (ت 141 هـ) ومقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) وزائدة بن قدامة الثقفي (ت 161 هـ) وأبو عبيد القاسم بن سلاَّم (ت 224 هـ) وابن مجاهد (ت 324 هـ), وقد حمل حديثا بعض الطاعنين تباين القراءات على عدم الثبات وتجاهلوا تلقيها مشافهة والتيسير بتوسعها وجهلوا الإعجاز والتحدي بتوسع معانيها, فقد صرح العلماء بأن تعدد القراءات للتنوع والتغاير والإثراء بزيادة التفاصيل وليس للتضاد والتناقض في المضمون, وممن نفي تناقض القراءات: المهدوي (ت حوالي 440هـ), والداني (ت 444هـ), والزركشي (ت794 هـ), وابن الجزري (ت 833 هـ), والسيوطي (ت 911 هـ), وقد ذهب ابن تيمية (ت 728 هـ) إلى أن إجماع المسلمين منعقد على عدم تناقض القراءات أو تضادها, وعبارته في مجموع الفتاوى هي: "لا نزاع بين المسلمين أن الحروف السبعة التي أنزل القرآن عليها لا تتضمن تناقض المعنى وتضاده، بل قد يكون معناها متفقا أو متقاربا كما قال عبد الله بن مسعود (إنما هو كقول أحدكم: أقبل وهلم وتعال)، وقد يكون معنى أحدهما ليس هو معنى الآخر لكن كلا المعنيين حق, وهذا اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف تضاد وتناقض, وهذا كما جاء في الحديث المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا؛ حديث: (أنزل القرآن على سبعة أحرف, إن قلت غفورا رحيما, أو قلت عزيزا حكيما؛ فالله كذلك, ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب, أو آية عذاب بآية رحمة).., ومن القراءات ما يكون المعنى فيها متفقا من وجه متباينا من وجه؛ كقوله: (يَخْدَعُون ويُخَادِعون)، و(يَكْذِبون ويُكَذِّبون)، و(لَمَسْتُم ولامَسْتُم)، و(حتى يَطْهُرْن ويَطَّهَرْن), ونحو ذلك, فهذه القراءات التي يتغاير فيها المعنى كلها حق وكل قراءة منها مع القراءة الأخرى بمنزلة الآية مع الآية؛ يجب الإيمان بها كلها وإتباع ما تضمنته من المعنى علما وعملا, (و)لا يجوز ترك موجب إحداهما لأجل الأخرى ظناً أن ذلك تعارض", وقال الزركشي في البرهان: "قال أبو عبيد في كتاب فضائل القرآن إن القصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة وتبيين معانيها؛ وذلك كقراءة عائشة وحفصة: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصّلَوَاتِ والصّلاَةِ الْوُسْطَىَ (صلاة العصر) وَقُومُواْ للّهِ قَانِتِينَ﴾ البقرة: 238, وكقراءة ابن مسعود: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا (أيمانهما) جَزَآءً بِمَا كَسَبَا﴾ المائدة: 38, ومثل قراءة أبى: ﴿لّلّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَآئِهِمْ تَرَبّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُوا (فيهن) فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ﴾ البقرة: 226, وكقراءة سعد بن أبى وقاص: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ (من أم) فَلِكُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا السّدُسُ﴾ النساء: 12,.. فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن.., فأدنى ما يستنبط من هذه الحروف معرفة صحة التأويل", فإذا كانت القراءات الشاذة لا تقتضي تضاداً ولا تناقضاً؛ إنما هي مفسرة ومبينة للقراءات المشهورة، فكيف بالقراءات الصحيحة التي تلقتها الأمة بالرضا والقبول، فهل من المعقول أن تتضمن تناقضاً واختلافاً يقتضي التضاد يكون بها القرآن مضطرباً متبايناً!, وعبارة ابن حجر العسقلاني (852 هـ): "قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسّرَ مِنْهُ﴾ المزمل: 20؛ أي من المنزل، وفيه إشارة إلى الحكمة في التعدد المذكور وأنه للتيسير على القارئ، وهذا يقوي قول من قال: المراد بالأحرف تأدية المعنى باللفظ المرادف ولو كان من لغة واحدة، لأنَّ لغة هشام بلسان قريش وكذلك عمر؛ ومع ذلك فقد اختلفت قراءتيهما، نبه على ذلك ابن عبد البر ونقل عن أكثر أهل العلم أن هذا هو المراد بالأحرف السبعة".

وبالمثل قال الشيخ الزرقاني (ت 1367هـ): "إن تنوع القراءات يقوم مقام تعدد الآيات وذلك ضرب من ضروب البلاغة؛ يبتدئ من جمال هذا الإيجاز وينتهي إلى كمال الإعجاز، أضف إلى ذلك ما في تنوع القراءات من البراهين الساطعة والأدلة القاطعة على أن القرآن كلام الله وعلى صدق من جاء به وهو رسول الله، فإن هذه الاختلافات في القراءة على كثرتها لا تؤدي إلى تناقض في المقروء وتضاد ولا إلى تهافت وتخاذل، بل القرآن كله على تنوع قراءاته يصدق بعضه بعضا ويبين بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض على نمط واحد في علو الأسلوب والتعبير وهدف واحد من سمو الهداية والتعليم، وذلك من غير شك يفيد تعدد الإعجاز بتعدد القراءات والحروف، ومعنى هذا أن القرآن يعجز إذا قرئ بهذه القراءة ويعجز أيضا إذا قرئ بهذه القراءة الثانية ويعجز أيضا إذا قرئ بهذه القراءة الثالثة وهلم جرا، ومن هنا تتعدد المعجزات بتعدد تلك الوجوه والحروف ولا ريب أن ذلك أدل على صدق محمد لأنه أعظم في اشتمال القرآن على مناح جمة في الإعجاز وفي البيان على كل حرف ووجه وبكل لهجة ولسان".

 (5) كشف أستار المجهول بتعدد القراءات معجزة علمية:

اكتشف علماء الجيولوجيا حديثا أن القشرة الأرضية الصلبة مقسمة بشبكة من الصدوع العميقة إلى ألواح قارية Plate tectonics بهيئة قطع متجاورات تتسم بالصلابة وتطفو كالسفن الرواسي فوق محيط من دوامات الصهارة Magma, وتستقيم تلك الحقيقة مع دلالة جملة نصوص في القرآن الكريم يستقيم حملها على وصف السطح الصخري للكوكب بلفظ الأرض, وقد احتار المفسرون في تنزيلها على الواقع المجهول قبل عصر الكشوف العلمية واتضاح الحقائق؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَالأرْضِ ذَاتِ الصّدْعِ﴾ الطارق: 12, وقوله تعالى: ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مّتَجَاوِرَاتٌ﴾ الرعد 4؛ خاصة أن لفظ (قطع) لا يستقيم أن يوصف به إلا شيء صلب, وهو ما يميز جيولوجيا سطح الكوكب Crust عن الدثار Mantle اللين دونه, وتصعد الحمم Lava من بين الألواح القارية في قيعان البحار العظمى لتضيف مادة جديدة إلى كل لوحين متجاورين، وبزيادة طرف ينقص اللوح من الطرف الآخر بالانثناء تحت اللوح المجاور, ولذا فالأرض الصلبة التي تحملنا فوق دوامات الحمم تنقص من أطرافها دوما, وفي قوله تعالى: "أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا" الرعد: 41، وقوله تعالى: "أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ" الأنبياء: 44؛ يتسع المضمون ليشمل تلك الحقيقة العلمية التي لم يدركها بشر إلا منذ عقود يسيرة برهانا على الوحي, ولفظ (الأرض) هنا يصدق على السطح الصخري ولا يستقيم صرفه لمعنى الكوكب لأن الشكل الكروي ممتد ولا طرف له، ولورود لفظ (الأطراف) بالجمع فهو يتضمن بيان تجزئة السطح الصخري إلى قطع متجاورات تفصلها صدوع وتحركها دوامات صهير الباطن التي تمور دوما بصريح قوله تعالى: "أَأَمِنتُمْ مّن فِي السّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ" الملك: 16، ولفظ (الأرض) هنا يصدق بالمثل على السطح الصخري ولا يعني الكوكب لأن الموران واقع دون ما يدل عليه لفظ (الأرض), ويكشف لك الموران ضمنيا التهاب الباطن إلى حد إسالة الصخور وتحرك دواماتها كأتون مسجور تتأجج نيرانه ويحجبها السطح الصخري وقيعان البحار كإناء, وهو نفس المضمون في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الطور: 6.

والقطع الصلبة للسطح الصخري والطافية فوق المحيط الأقرب إلى الليونة والأكثر كثافة أشبه ما تكون إذن بالسفن الرواسي, وهو نفس التمثيل في جملة نصوص يكشف كل منها جانبا من تاريخ سطح الكوكب, وتمثل منظومة دلالية واحدة كأجزاء ساعة يؤدي كل منها دورا مستقلا, وبغير وحدة المصدر والمعرفة بخفايا التكوين يستحيل تضامنها في وحدة موضوعية بلا تعارض رغم تعدد الأوجه وتفرق المواضع وطول فترة التنزيل؛ ومنها قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا﴾ فصلت: 10, وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الّذِي مَدّ الأرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ الرعد: 3, وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَىَ فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ النحل: 15, وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ﴾ الأنبياء: 31, وقوله تعالى: ﴿اللّهُ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَاراً﴾ غافر: 64, وقوله تعالى: ﴿أَمّن جَعَلَ الأرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ النمل: 61, ويمضي بك تنوع التعبير ليكشف لك تصوير الجبال بالأوتاد سر تثبيت الألواح القارية في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَاداً. وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾ النبأ: 6و7, وهكذا إن شئت فهم المراد في موضع فينصحك الأعلام المحققين باستيفاء كل المواضع لتتضح لك الدلالة بقولهم (القرآن يفسر بعضه بعضا) استنادا إلى وحدة المضمون في الكتاب العزيز؛ بخلاف التعارض والتضاد في كل ما ينسب إلى الوحي سواه كشاهد لا ترد شهادته على التحريف.


وقد اكتسبت نظرية انزياح القارات Continental drift تأييدا علميا واسعا منذ أن أعلنها ألفريد فيجنر Alfred Wegener في عام 1912, ومضمونها أن القارات قد تولدت عن انقسام قارة أم Pangea وسط محيط واحد Panthalassa بصدع واحد أصلي منذ حوالي 250 مليون سنة, ثم امتدت اليابسة وتوزعت إلى قارات مازالت شابة تنزاح ببطء, ومع انقسامها تحول الصدع الأصلي إلى سلسلة جبال منتصف الأطلنطي Mid-Atlantic Ridge التي يبلغ طولها حوالي 16 ألف كم وتمتد بطول القاع تحت سطح المحيط ونادرا ما تبرز فوقه بهيئة جزر بركانية, ومنتصف الأطلنطي (الأوقيانوس) مازال إلى اليوم يمثل منطقة نشطة بركانياً تطرح حمم سوداء ملتهبة قد تبلغ درجة حرارتها ألف درجة مئوية, وظاهرة انزياح القارات المميزة بالجبال تحت تأثير تيارات الصهارة دونها يمكن تمثيلها بالمرور البطيء للسحاب تحت تأثير تيارات الهواء دونه, فسواء السحاب أو جبال القارات؛ كليهما يتصف ببطء الحركة نسبيا تحت تأثير تيارات حمل صاعدة وأخرى دافعة للانتقال في منظومة تعم الكوكب, ولن تفوتك الدلالة الصريحة إذن في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرّ مَرّ السّحَابِ صُنْعَ اللّهِ الّذِيَ أَتْقَنَ كُلّ شَيْءٍ﴾ النمل: 88, أرأيت كيف أن المعرفة بحصاد الثورة العلمية المحمومة اليوم خير معين لإدراك الدلالات العلمية المدخرة ذخيرة للقادمين في تعبير الكتاب الكريم!, ومهما حاول طاعن افتعال الحيل واصطناع الذرائع لصرف صريح الدلالة على حقيقة علمية واحدة مثل تأجج قيعان البحار بالنيران فلن يناله سوى خزي تجاوز الإنصاف, فقبل عصر الكشوف العلمية يستحيل أن يدرك بشر بوجود الصدوع العميقة منتصف المحيطات Mid-Oceanic Rifts لأنها لم تعرف إلا من خلال نظرية الألواح القارية أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي فحسب, وهكذا تفرد كل وصف ببيان وجه أو أكده بتثنية النبأ, إنه إذن إصرار مذهل خاصة في تناول مسائل علمية يفتقدها كل ما ينسب للوحي سوى القرآن, وهو تحدي يجعل المترصد مترددا في الطعن؛ إذا كان ضليعا بأساليب البيان ملما بحقائق العلم, وأما من غلب دافعه للكيد حذره فلا يستحق ملام, وكما ترى قد تميز الكتاب العزيز بوحدة المضمون بلا أدنى تعارض وتضاد رغم التوسع والتنويع, وتلك هي نفس سمة تعدد القراءات المتواترة مما يؤكد لك أنها ظاهرة توقيفية لا عارضة.

 

ومن روائع الكتاب الكريم التعبير تلطفا بالتضمين والإضمار والاختصار والإيجاز والحذف استنادا إلى فطنة المخاطب ومعرفته بالواقع, وفي قوله تعالى: ﴿حَتّىَ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ الكهف: 86؛ يدلك السياق على أن ذي القرنين الفاتح للعالم القديم قد بلغ أقصى الغرب وأوقفته نهاية اليابسة عن استمرار الغزو فأطل على المحيط الأطلنطي حيث عاين الشمس تغرب فيه مثل كل مراقب بالعين, والإيجاز يقتضي أن يكون التقدير: ﴿حَتّىَ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشّمْسِ وَجَدَهَا (رأي العين) تَغْرُبُ فِي (محيط ذي) عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾, فاكتفى التعبير بدلالة السياق على المحيط وأضاف وصفا لم يدركه قبل عصر الكشوف ذو القرنين ولا سواه, ويتسم المحيط الأطلنطي بالفعل بوجود سلسلة جبلية Ridge متصلة ومرتفعة الجانبين أشبه ما تكون بجفنين يحيطان بعين تطرح بدلا عن الدموع حمم سوداء ملتهبة, فالحمم البركانية من وجه سوداء حمئة أشبه ما تكون في البيئة العربية بالطين الأسود, ومن وجه آخر حامية أشبه ما تكون بالجمر المتوقد رفيق الساهر في البادية, ولك أن تذهل أن (حمئة) و(حامية) قراءتان معتمدتان متكاملتان بلا تناقض جمعتا وصفين لظاهرة خفية لا يعلم بها قبل عصر العلم بشر ووافق اختيارها أنها موضع الصدع الأصلي الأول والأعظم, قال الألوسي المتوفى سنة 1270هـ في تفسيره (ج16ص31): "وجدها أي الشمس (تغرب في عين حمئة)؛ أي ذات حمأة وهي الطين الأسود.., وقرأ عبد الله وطلحة بن عبيد الله وعمرو بن العاص وابنه عبد الله وابن عمر ومعاوية والحسن وزيد بن علي وابن عامر وحمزة والكسائي (حامية)..؛ أي حارة", وقال الطبري المتوفى سنة 310 هـ في تفسيره (ج16ص11): "والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال إنهما قراءتان.., ولكل واحدة منهما وجه صحيح", وقال الرازي المتوفى سنة 606 هـ في تفسيره (ج21ص142): "فجائز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعا", ونقل القرطبي في تفسيره (ج11ص49) عن القتبي قوله: "ويجوز أن تكون هذه العين من البحر", وهو نفس قول النحاس وأبي حيان, واحتمل الألوسي (ج16ص32) أن العين معلم دفين يميز البحر المحيط الغربي (الأطلنطي) بقوله: "المراد بالعين الحمئة.. عين في البحر", وعلى هذا الوجه يكون في التعبير إيجاز حذف وفق مصطلح البلاغيين اكتفاء بشهرة معلوم لكل ناظر بالعين؛ وهو مشهد غروب الشمس في المحيط، وجاء التعبير عن المحيط بلازمه الذي لم تشاهده قبل عصر الكشوف العلمية عين؛ وهو العيون المتصلة الفوهات في القاع موضع الصدع الأول والأعظم الذي مازال شابا يطرح الحمم الحمئة والحامية في ذات الوقت, ولا يأبى السياق التقدير (وجدها رأي العين تغرب في محيط ذي عين حمئة), والعدول إلى اسم الجنس في التعبير: ﴿وَالأرْضِ ذَاتِ الصّدْعِ﴾ بدلا عن الصدوع بالجمع يناسب وحدتها جميعا من حيث الأصل في صدع أعظم واحد, فتأمل كيف أن تخصيص المحيط الغربي بالبيان يتفق مع كونه موضع الصدع الأصلي والأعظم عندما كانت القارات كلها متصلة في قارة أم واحدة!, فإن غابت الفطنة إذن وساء الفهم وضل التأويل وانعدم العلم بخفايا التكوين فأي ذنب للقرآن الكريم!.

 

يتميز المحيط الأطلنطي بسلسلة عيون متصلة في قاعه تطرح على الدوام حمم ملتهبة تصبح سوداء بالتبريد.

وإليك الدليل على افتراء المغرضين بإصرارهم وتعنتهم على اتهام القرآن في جعل الشمس تغوص في أحد بحار الأرض؛ رغم اتفاق البلاغيين على حمل الدلالة على الوجه المعقول اللائق بالمقام واتفاق الجمع الغفير من المفسرين سلفا وخلفا على أن التعبير مبني على الظاهر في رأي العين, قال البغوي المتوفى سنة 516 هـ في تفسيره (ج3ص179): "معنى قوله) وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ): في رأي العين", وقال ابن الجوزي المتوفى سنة 597 هـ في تفسيره (ج5ص186): "ربما توهم متوهم أن هذه الشمس على عظم قدرها تغوص بذاتها في عين ماء وليس كذلك.. وإنما وجدها تغرب.. كما يرى راكب البحر الذي لا يرى طرفه أن الشمس تغيب في الماء، وذلك لأن ذا القرنين انتهى إلى آخر البنيان", وقال الرازي المتوفى سنة 606 هـ في تفسيره (ج21ص142): "الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة، فكيف يعقل دخولها في (بحر).. (و) أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق, بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا فهو وقت العصر في بلد، ووقت الظهر في بلد آخر، ووقت الضحى في بلد ثالث، ووقت طلوع الشمس في بلد رابع، ونصف الليل في بلد خامس، وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بعد الاستقراء والاعتبار، وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال أنها تغيب (حقيقة) في الطين والحمئة كلاما على خلاف اليقين, وكلام الله تعالى مبرأ عن هذه التهمة, فلم يبق إلا أن يصار إلى التأويل", وقال القرطبي المتوفى سنة 671 هـ في تفسيره (ج11ص49): "ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغربا ومشرقا حتى وصل إلى جرمها ومسها؛ لأنها مع السماء حول الأرض من غير أن تلتصق بالأرض وهي أعظم من أن تدخل في.. الأرض، بل هي أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة، بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن جهة المشرق فوجدها في رأي العين تغرب.. كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض"، وقال البيضاوي المتوفى سنة 791 هـ في تفسيره (ج3ص520): "بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك إذ لم يكن.. (أمام) بصره غير الماء، ولذلك قال (وجدها تغرب)، ولم يقل (كانت تغرب)", وقال الألوسي المتوفى سنة 1270 هـ في تفسيره (ج16ص31): "(حَتّىَ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشّمْسِ) أي منتهى الأرض من جهة المغرب بحيث لا يتمكن أحد من مجاوزته ووقف كما هو الظاهر على حافة البحر المحيط الغربي الذي يقال له أوقيانوس.., (و) جرم الشمس أكبر من جسم الأرض بأضعاف مضاعفة؛ فكيف يمكن دخولها في.. الأرض!, (إنما).. وجدها في نظر العين كذلك إذ لم ير هناك إلا الماء لا أنها كذلك حقيقة، وهذا كما أن راكب البحر يراها إذا لم ير الشط كأنها تطلع من البحر وتغيب فيه إذا لم ير هناك إلا الماء لا أنها كذلك حقيقة، والذي في أرض ملساء واسعة يراها أيضا كأنها تطلع من الأرض وتغيب فيها.., فالشمس على ما هو الحق لم تزل سائرة طالعة على قوم غاربة على آخرين", وقال السعدي المتوفى سنة 1376 هـ في تفسيره (ص485): "أعطاه الله ما بلغ به مغرب الشمس حتى رأى الشمس في مرأى العين كأنها تغرب في (بحر).., وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس الغربي ماء رآها تغرب في نفس الماء وإن كانت في غاية الارتفاع", وأوجز سيد قطب المتوفى سنة 1386 هـ فهم المفسرين (رحمهم الله تعالى جميعا) في تفسيره (ج5ص79) بقوله: "ومغرب الشمس هو المكان الذي يرى الرائي أن الشمس تغرب عنده وراء الأفق، وهو يختلف بالنسبة للمواضع، فبعض المواضع يرى الرائي فيها أن الشمس تغرب خلف جبل، وفي بعض المواضع يرى أنها تغرب في الماء كما في المحيطات الواسعة والبحار، وفي بعض المواضع يرى أنها تغرب في الرمال إذا كان في صحراء مكشوفة على مد البصر, والظاهر من النص أن ذا القرنين غَرَّبَ حتى وصل إلى نقطة على شاطئ المحيط الأطلسي (الأطلنطي) وكان يسمى بحر الظلمات ويظن أن اليابسة تنتهي عنده فرأى الشمس تغرب فيه", ولكن من لم يكن غرضه البحث النزيه عن الحقيقة وحصر نيته ابتداء في الاعتراض والتشويش غير آبه بمآثر البيان وقواعد التأويل؛ فكيف إذن ينتفع بدليل!, وفي الخليقة وحدة في النسيج والتصميم مع تنوع هائل في الأشكال, وفي كلام الخالق نفس الطابع؛ يتنوع الأسلوب واللفظ ويثنى النبأ تأكيدا مع وحدة في المضمون, وتلك ميزات تفرد بها القرآن الكريم بلا اختلاف وتناقض, يقول العلي القدير: ﴿اللّهُ نَزّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مّتَشَابِهاً مّثَانِيَ تَقْشَعِرّ مِنْهُ جُلُودُ الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ ثُمّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ الزمر: 23.

----------------

بقلم الدكتور محمد دودح

المراجع:

1.                  البرهان في علوم القرآن للزركشي المتوفى سنة 794 هـ.

2.                  تفسير الطبري المتوفى سنة 310 هـ.

3.                  تفسير الألوسي المتوفى سنة 1270هـ.

4.                  التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور المتوفى سنة 1393هـ.

5.                  تفسير الرازي المتوفى سنة 606هـ.

6.                  تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا.

7.                  تفسير البغوي المتوفى سنة 516 هـ.

8.                  تفسير ابن الجوزي المتوفى سنة 597 هـ.

9.                  تفسير القرطبي المتوفى سنة 671 هـ.

10.              تفسير البيضاوي المتوفى سنة 791 هـ.

11.              تفسير السعدي المتوفى سنة 1376 هـ.

12.              تفسير الظلال لسيد قطب المتوفى سنة 1386 هـ.

13.              مجموع الفتاوى لابن تيمية المتوفى سنة 728 هـ.

14.              إعجاز القرآن والبلاغة النبوية لمصطفى صادق الرافعي المتوفى سنة 1356 هـ.

15.              الكتاب المقدس نشر كنيسة الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي بالإسكندرية مصر.

16.              قاموس الكتاب المقدس.

17.              دليل إلى قراءة الكتاب المقدس للأب الفرنسي أسطفان شربنتييه وترجمه للعربية الأب صبحي حموي اليسوعي, وقدم له الأب أنطوان أودو اليسوعي أستاذ الكتاب المقدس بجامعة القديس يوسف في بيروت, وتم نشره في 12 تشرين الثاني عام 1982.

18.              الموسوعة البريطانية وموسوعة انكارتا.

19.              الانترنت.

 

شبكة الإعجاز في القرآن والسنة  2009
الموقع قيد التطوير