|

|
يتفرد القرآن الكريم بميزة بلاغية يفتقدها كل ما ينسب سواه للوحي؛ وهي التحدي...
|
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, حول السؤال عن الالتفات في القرآن الكريم؛ أهو نقيصة في البيان كما بدا للطاعن, أم هو ميزة فريدة ومظهر تحدي بالحفاظ على وحدة المضمون رغم تنويع غير مسبوق ولا معهود, وأجيب مستعينا بالعلي القدير سائله تعالى التوفيق والسداد:
يتفرد القرآن الكريم بميزة بلاغية يفتقدها كل ما ينسب سواه للوحي؛ وهي التحدي بالحفاظ على وحدة المضمون بلا اختلاف تناقض وتضاد في أي موضع من الكتاب العزيز؛ رغم تفرق المواضع وطول فترة التنزيل وتنويع مذهل في أساليب البيان لم تعهده البلاغة ولا نظير له في التاريخ, ومن مظاهر التنويع إيراد نفس الخبر بأساليب بيانية مختلفة مثل إيراد نفس النبأ على سبيل الإجمال في موضع وعلى سبيل التفصيل في سواه, والعدول في النظم من بديع التنويع بورود صيغة في موضع والعدول عنها في الموضع نفسه أو آخر يليه أو تتفرق في جملة مواضع بلا تعارض, وقد يكون العدول في النظم بالالتفات بين ضمائر المتكلم والمخاطب والغائب, أو العدول بالتقديم في موضع والتأخير في سواه, أو بالجمع في موضع والإفراد في آخر, وقد يقتضي العدول بين تأنيث اللفظ وتذكيره التعليل بالمناسبة أو التقدير, وفي كل تلك التنويعات يتوافق العدول في النظم مع المقام.
والالتفات في تعريف علماء البيان هو تحول وجهة الخطاب بين ضمائر المتكلم والمخاطب والغيبة لعلة دلالية تدل عليها القرائن في السياق, وفي الأنشطة اليومية: من أثار اهتمامه شيئا التفت إليه متطلعا, ومن استحسنه وتعجب منه أدار وجهه نحوه مقبلا, ومن نفر منه التفت عنه وأشاح بوجهه معرضا, هذه نماذج توضح لك مراد البلاغيين بمصطلح الالتفات وتبين لك بعضا من أدواره البلاغية ووظائفه الدلالية التي يؤديها في السياق, وأما الاعتراض فهو العدول عن الموضوع قبل العودة إليه وإتمامه؛ انفتاحا في الحديث يؤكد ويثري المضمون باستطراد يضيف المزيد من التفاصيل, والعدول حركة تغيير في النظم ترجع إلى مناسبة تستلزم التغيير ترافقها دلالة إضافية تتناسب مع جو السياق وتوافق المقام دليلا على وحدة الكتاب, ومثل تلك المآثر البيانية شواهد على تميز تعبير القرآن الكريم بوحدة المضمون رغم غزارة التنويع التي تجعله ثري المعني Highly Informative.
ومن أمثلة الالتفات التي اعتمدها البلاغيون في أسلوب القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ﴾ الفاتحة: 2, حيث جاء التعبير (للهِ) بضمير الغائب (هو), ثم في موضع بعده في قوله تعالى: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ الفاتحة 5؛ التفتَ في التعبير (إيّاكَ) بضمير المخاطب الحاضر الشاهد (أنت), والالتفات هنا من ضمير الغيبة (هو) إلى ضمير المخاطب (أنت) عدول في النظم وتحول في الأسلوب أضاف معنى اختصاص العبادة والاستعانة بالذات العلية, قال الزمخشري في تفسيره (ج1ص7): "فإن قلت: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟؛ قلت: هذا يسمى الالتفات في علم البيان, (و)قد يكون من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم.., لأنّ الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك.. إيقاظاً للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد, وقد تختص مواقعه بفوائد, ومما اختص به هذا الموضع: أنه لما ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه تلك الصفات العظام تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل: (إياك يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة؛ لا نعبد غيرك ولا نستعينه)، ليكون الخطاب أدل على أنّ العبادة له لذلك التميز", والالتفات إذن ليس من باب التزيين والتلوين فحسب إثارة لذهن السامع وجذبا لانتباهه وإنما هو تنويع وتغيير في النظم يحمل دلالة تثري المضمون؛ كموجة على سطح بحيرة أثارتها حركة, ولو كان المقصد هو مجرد إثارة ذهن السامع إيقاظاً للإصغاء وليس من باب التنويع الموافق للمقام لحافظ عليه القرآن, ولكن في مناسبة ثبات الحال ثبت التعبير على أسلوب واحد لم يتغير ولم يعدل فيه للالتفات في قوله تعالى: ﴿إِنّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقَاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدّقِينَ وَالْمُتَصَدّقَاتِ والصّائِمِينَ والصّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذّاكِرِينَ اللّهَ كَثِيراً وَالذّاكِرَاتِ أَعَدّ اللّهُ لَهُم مّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ الأحزاب: 35, والحاصل إذن أن التعبير المذهل في القرآن الكريم يحافظ دوما على موافقة المناسبة والمقام ووحدة المضمون رغم تنويع الأسلوب تحديا بدلائل وحدة مصدر الكتاب.
ومن أمثلة الالتفات كذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الّذِي يُسَيّرُكُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ حَتّىَ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلّ مَكَانٍ﴾ يونس: 22؛ حيث انتقل الخطاب من ضمير المخاطبين الحاضرين (أنتم) في التعبير (يسيركم) و(كنتم) إلى ضمير الغائبين (هم) في التعبير (جرين بهم) و(جاءهم), والالتفات هنا ليس عديم الدلالة وإنما يثير الذهن لاستلهام العلل فتفيض المخيلة بالمعاني, وكأن الالتفات يستلزم وقفة تأمل كمطب في طريق سيارة يدل على وجود معلم ما يستلزم التوقف؛ قد يكون قرية مثلا أو مدرسة أطفال أو مستشفى, قال الزركشي في البرهان (ج3ص314): "فقد التفت عن (كُنْتُمْ) إلى (جَرَيْنَ بِهِمْ), وفائدة العدول عن خطابهم (بأنتم) إلى حكاية حالهم لغيرهم (هم) لتعجبه من فعلهم وكفرهم؛ إذ لو استمر على خطابهم لفاتت تلك الفائدة, وقيل: لأن الخطاب أولا كان مع الناس مؤمنهم وكافرهم بدليل قوله: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ), فلو قال: (وجرين بكم) للزم الذم للجميع, فالتفت عن الأول للإشارة إلى الاختصاص بهؤلاء الذين شأنهم ما ذكره عنهم في آخر الآية, فعدل عن الخطاب العام إلى الذم الخاص ببعضهم وهم الموصوفون بما أخبر به عنهم, وقيل: لأنهم وقت الركوب.. خافوا الهلاك وتقلب الرياح فناداهم نداء الحاضرين, ثم أن الرياح لما جرت بما تشتهي النفوس وأمنوا الهلاك لم يبق حضورهم كما كان؛ على ما هي عادة الإنسان أنه إذا أمن غاب (تضرعه), فلما غابوا عند جريه بريح طيبة فكرهم الله بصيغة الغيبة (إعراضا) فقال: (وَجَرَيْنَ بِهِمْ).., كأنه يذكر لغيرهم حالهم (منكرا) ليتعجب منها ويستدعي منه الإنكار والتقبيح لها؛ إشارة منه على سبيل المبالغة إلى (سوء صنيعهم).. بعد (نجاتهم)".
وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يس: 22؛ الالتفات من ضمير المتكلم (أنا) إلى ضمير المخاطبين الحضور (أنتم) أعطاهم فضل عناية وتخصيص بالمواجهة نصحا وترهيبا, والأصل: (وإليه أرجع) لكن الالتفات من التكلم إلى الخطاب أخرج الكلام في معرض مناصحته لنفسه وهو يريد نصح قومه بعبادة الله تعالى وحده إعلاما بأن يريد لهم ما يريده لنفسه, فناسب الالتفات إليهم مقام التحذير والتخويف.
وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الّذِي لَهُ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآ إِلََهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتّبِعُوهُ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ الأعراف: 158؛ وقع الالتفات من ضمير المتكلم (أنا) في التعبير (إني رسول الله) إلى ضمير الغائب (هو) في التعبير (فآمنوا بالله ورسوله)؛ ولم يقل (فآمنوا بالله وبي) تنبيها إلى أنه عليه الصلاة والسلام لا يستحق كإنسان الإتباع لذاته حيث أفاد الالتفات في التعبير بضمير الغائب (ورسوله النبي الأمي) أن العلة هي كونه النبي الأمي؛ والأمية أكبر دليل على صدقه.
وفي قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ الّذِيَ أَرْسَلَ الرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىَ بَلَدٍ مّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فاطر: 9؛ انتقل الخطاب من ضمير الغيبة (هو) بلفظ الجلالة (الله) إلى ضمير المتكلم (نحن) في التعبير (سقناه) و(أحيينا), وقد أفاد الالتفات بضمير المتكلم خاصة في المواضع التي ترد بنون التعظيم تخصيص الاقتدار في مقام بيان مظاهر من سبق التقدير وبديع التأهيل بما لا يمكن نسبته للصدفة ولا يقدر عليه سوى الباري وحده.
وفي قوله تعالى: ﴿أَمّنْ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أَإِلََهٌ مّعَ اللّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ النمل: 60؛ عدول من الغيبة في (خلق) و(أنزل) إلى ضمير المتكلم (نحن) في (أنبتنا) تأكيدا لاختصاصه تعالى بإنفاذ المشيئة والاقتدار, قال الرازي في تفسيره (ج12ص40): "(قد) يقال ما حكمة الالتفات في قوله: (فَأَنبَتْنَا)؟؛ جوابه: أنه لا شبهة للعاقل في أن خالق السموات والأرض ومنزل الماء من السماء ليس إلا الله تعالى، وربما عرضت الشبهة في أن منبت الشجرة هو الإنسان، فإن الإنسان يقول أنا الذي ألقى البذر في الأرض.. وأسقيها الماء وأسعى في تشميسها، وفاعل السبب فاعل للمسبب، فإذن أنا المنبت للشجرة فلما كان هذا الاحتمال قائماً لا جرم أزال هذا الاحتمال, فرجع من لفظ الغيبة إلى قوله: (فَأَنبَتْنَا), وقال: (مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا) لأن الإنسان قد يأتي بالبذر والسقي.. والتشميس ثم لا يأتي على وفق مراده, والذي يقع على وفق مراده فإنه يكون جاهلاً بطبعه ومقداره وكيفيته فكيف يكون فاعلاً لها؛ فلهذه النكتة حسن الالتفات ههنا".
قال الزركشي (ج3ص314): "ومما يقرب من الالتفات.. الانتقال من خطاب الواحد لخطاب الاثنين، كقوله تعالى: ﴿قَالُوَاْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَآءُ فِي الأرْضِ﴾ يونس: 78, (و).. من خطاب الواحد إلى خطاب الجمع: ﴿يَأيّهَا النّبِيّ إِذَا طَلّقْتُمُ النّسَآءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ﴾ الطلاق: 1, (و).. من الاثنين إلى الواحد كقوله: ﴿قَالَ فَمَن رّبّكُمَا يَمُوسَىَ﴾ طه: 49, و﴿فَقُلْنَا يَآدَمُ إِنّ هََذَا عَدُوّ لّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنّكُمَا مِنَ الْجَنّةِ فَتَشْقَىَ﴾ 20 طه 117, (و).. من الاثنين إلى الجمع كقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىَ مُوسَىَ وَأَخِيهِ أَن تَبَوّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ 10 يونس 87؛ وفيه انتقال آخر من الجمع إلى الواحد فإنه ثنى ثم جمع ثم وحد توسعا في الكلام, وحكمة التثنية أن موسى وهارون هما اللذان يقرران قواعد النبوة ويحكمان في الشريعة فخصهما بذلك, ثم خاطب الجميع باتخاذ البيوت قبلة للعبادة لأن الجميع مأمورون بها, ثم قال لموسى وحده: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) لأنه الرسول الحقيقي الذي إليه البشارة والإنذار".
إنها إذن أنماط من التنوعات الموافقة في كل حركة للسياق تميز بها القرآن وفاجأت المكابرين زمن التنزيل فتخفوا ليسمعوه ولم ينكروه رغم براعتهم في البيان وحرصهم على الذم؛ خاصة أنه تحداهم واستثار حميتهم وطالبهم مرارًا أن يضاهوه, ولكنه قهر كبرياءهم وعجزوا عن تحديه؛ فكيف إذن لمن هو دونهم قدرة في البيان أن يطعن فيه!, إنه نسيج فريد يتحدى بمعناه بكشف أستار المجهول وبمبناه بالحفاظ على وحدة المضمون رغم وافر التنوعات في النظم بلا تناقض؛ شهادة بوحدانية القائل جل في علاه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. فَإِن لم يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُوَاْ أَنّمَآ أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاّ إِلََهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مّسْلِمُونَ﴾ هود: 13و14.
-------------
بقلم الدكتور محمد دودح |