| القـرآن الكـريم المعجـزة المتجددة عبر العصـور |
|
|
|
| الكاتب الأستاذ الدكتور كارم غنيم | ||
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا{1} قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً{2} ) [سـورة الكهف] 00 والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وخاتما للنبيين، وإماما للمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين، وصحبه المهتدين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين000 وبعد 00 فإن القرآن المجيد هو آخر كتب الســـماء الى الأرض، يضم (114) سورة، نزلت من عند الله تعالى على لسان جبريل الأمين، على قلب رسول الله وخاتم أنبيائه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، على امتداد ثلاثة وعشرين عاما... استغرق نزول القرآن في مكة المكرمة (12) سنة، و (5) أشهر، و (13) يوما ؛ واستغرق نزول بقيته في المدينة المنورة (9) سنوات، و (9) أشهر، و (9) أيام. وكان أول ما نزل منه قول الله تبارك وتعالى: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{ 1}) [سورة العلق]، وكان آخر ما نزل منه قول اللهتبارك وتعالى : ( وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ{281} ) [سورة البقرة] 000 عدد حروف القرآن (340740) حرفا، وعدد كلماته (77439) كلمة، وعدد الســـور المكية (86) سورة، وعدد آياتها (4475) آية، وعدد السور المدنية (28) سورة، وعدد آياتها (1761) آية. وقسَّم علماء القراءات القرآن (60) حزباً، وجزأوها إلى (240) ربعاً 0 يقول القرطبي في كتابه ( التذكار فى أفضل الأذكار): إن القرآن اسم لكلام الله عز وجل – الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم معجزة له مدى الدهر، محفوظ في الصدور، مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف، معلوم على الاضطرار سوره وآياته، مبرأة من الـزيادة والنقصان حروفه وكلماته، فلا يحتاج في تعريفه بحدٍّ، ولا في حصره بعدٍّ، وإن له نصفاً وربعاً، ونصفه من آخر سورة (الكهف) إلى آخر سورة: ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ{1} )، وربعه من أول سورة صلى الله عليه وسلم إلى آخر ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ{1}) ، وله مع ذلك خُمْسٌ وسُبع وتُسع وعُشر 0 وفى الكتابة الموجودة في المصحف، وفى القراءة الموجودة بالألسنة، ستة آلاف آية ومائتا آية وآية، وفيها من الحروف ثلاثمائة ألف حرف وأحد عشر ألفا ومائتان وخمسون حرفا وحرف 0 ويقول الصدوق بن بابويه في كتابه (الاعتقادات): اعتقادنا في القرآن أنه كلام الله ووحيه وتنزيله وقوله وكتابه، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وأنه القصص الحق، وأنه القول الفصل وماهو بالهزل، وأن الله تبارك وتعالى محدّثه ومنزّله وربّه وحافظه والمتكلم به 000 لقد وصف الله القرآن العظيم بوصف لم يصف به أي من جميع الكتب السماوية التي أنزلها إلى البشر، فقال عز من قائل: ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً... {31} ) [ســورة الـرعد]، أي لكان هذا القرآن 000 ووصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ( إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم ) 000 إن هذا القرآن هـــو النور، في نفسه ولغيره، الكاشف للغـوامض، المـوضح للحقائق، الداحض للأباطيل، الدافع للشبهات، الهادي للحائرين 000هـو كتاب الله المعجز، المبين، الميسـر، هـو سجل الدين كله، هو كتاب للزمن وللإنسانية إلى يوم القيامة... هو حياة الأمة، مادة ومعنى: ( أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ... {24} ) [سورة الانفال]، وهو في المجتمع كالروح في الجسد: ( كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا... {52} ) [ســورة الشورى ] 0 القرآن... معجزات وليس بمعجزة واحدة: لقــد وضع الله سبحانه في هذا الكتاب العظيم أسراراً لن تنتهي، وبثَّ فيه عجــائب لن تنقضي، إلى يوم القيامة، وجعل له وجوها عديدة لإعجاز الخلق عن الإتيان بمثله، أو بمثل أقصر سورة فيه : ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً{88} ) [ سورة الإسراء] 0 واختلف العلماء في بيان القدر المعجز من القرآن، فمنهم من قال: إن الإعجاز يتعلق بجميع القرآن، ومنهم من ذهب الى أنه يتعلق بقليل القرآن وكثيره، ولم يشترط في القليل مماثلة السورة في الحروف ولا في عدد الآيات. ومنهم من ذهب إلى أن كل سورة برأسها معجزة، سواء كانت طويلة أم قصــيرة... وإذا كان قد ثبت أن كل سورة فيه معجزة برأسها، ولما كان القرآن يحتوي (114) مائة وأربعة عشر سورة، فإنه يحتوى (114) مائة وأربعة عشر معجزة، بعدد السور. وإذا ضممنا إلى ذلك أن كل آية، أو آيات، تساوى أقصر سورة، فهى معجزة برأسها، نتج عن ذلك أن القرآن يشتمل على معجزات تساوي ناتج قسمة عدد آياته على عدد آيات أقصر... ومن العلماء من ذهب إلى أن القرآن في الحقيقة يشتمل على أكثر من هذا العدد من المعجزات، لأن معظم سوره، أو آياته، مشتملة على مالا يحصى من المعجزات العظيمة 000 إن إعجاز القرآن وإقامة الحجة على الناس أمر لا يحتاج إلى استدلال، وذلك لاعتراف الجميع به 0 ولقد تنبه المسلمون لأهمية الإعجاز القرآنى في وقت مبكر، وكانت بدايات تلك الاهتمامات تختص بالإعجاز البياني، ثم تنوعت وجوه الإعجاز بتنوع مجالات الفكر البشري، وتوسعت جنباته بتوسع العقل وتطوره العلمي والتكنولوجي، فبرزت فى القرآن وجوهٌ لإعجازه تناسب أهل كل زمن، وبالتالي كان " الإعجاز العلمي " فــى زمننا هذا، زمن الثورة العلمية المدهشة 000 ويعرف العلماء " الإعجاز العلمي " بأنه إخبار القرآن الكريم، أو السنة النبوية، بحقيقة أثبتها العلم التجريبي وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم. إن الآيات الكونية والعلمية الواردة فى القرآن الكريم، إنما هى معجزات أعطاها الله رسوله لتكون برهانا على صدقه وصدق ماجاء به من الحق... والبراهين العلمية الواقعية الماــدية المحســوسة تضــع الإنســان أمــام الحقيقــة، وجهـا لوجه، فإما أن يؤمن وإما أن يستكبر000 وقــد يسـأل سائل: لماذا لم يرد تفسير واضح للآيات الكونية والعلمية في تفاسير السلف الصالح؟ وتتلخص الإجابة فيما يلي: (1) لـم يـركز الرسول صلى الله عليه وسلم عليها، أو يفصل قوله بشأنها، لأنها تأتي في الدرجة الثانية من الأهمية بعد الأمور الأساسية المـذكورة سابقـا 0 (2) كـانت البشرية جمعاء تجهلها جهلا تاما، ولم يتفرغ المسلمون الأوائل لبحثها كتفرغهم لبحث الآيات المتعلقة بالعقيدة والعبادات والمعاملات0 (3) القرآن ذاته لم يفصّل بشكل قاطع في القوانين العلمية المتعلقة بالمحسوسات والمشاهدات، لأنه لو فعل ذلك لألزم البشر بالإيمان بمقتضاها في ذلك الزمان، فيكون هذا حملا للعقول على تبني حقائق علمية دون الوصول إليها عن طريق براهينها المنسجمة معها، وهى التجربة والمشاهدة، وهذا مالم يحمل القــــرآن أحدا من الناس عليه، تكريما للعقل وإطلاقا له ليسير في منهجه الطبيعي 000 القرآن الكريم وخاتمية الرسالة الإسلامية وعالميتها: كانت معجزات الأنبياء - قبل ختامهم محمد صلى الله عليه وسلم - معجزات حسية بصرية مشاهدة، لابد وأن يعاينها الناس في زمانهم وفى مكان حدوثها، ولذلك انتهت هذه المعجزات بانتهاء زمانها، وينتفي وجوب الإيمان بها لمن لم يعاينها، وحتى الذين عاينوها قد لا يؤمنون بها ويتذرعون بأن أبصارهم خدعتهم... أما معجزة الرسول الكبرى – إضافة إلى معجزاته البصرية الحسية المشاهدة... فهى معجزة سمعية عقلية ذهنية، تحدى الله بها الإنسن والجن منـــذ نـــزل وإلـى يوم القيامة، فقال عزّ وجلّ عن الإتيان بمثله، أو بمثل أقصر سورة فيه... ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً{88} ) [سورة الإسراء] 0 بل إن الملائكة قد دخلوا أيضا في العجز عن الإتيان بمثل القرآن، وجاء ذلك في سياق ضمني شامل لهم ولغيرهم في قوله الله تبارك وتعالى: ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{13} فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ{14 [سورة هود]، فقوله سبحانه: (مِّن دُونِ اللَّهِ) يشمل الملائكة والإنس والجن، وهذه إشارة حكيمة إلى عجز هذه الأصناف الثلاثة عن الإتيان بمثل القرآن... إن هذه المعجزة الكبرى تناسب خاتمية الرسالة وتوقُّف النبوة بعد رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. يقول عمر عبيد حسنة في تمهيده للكتاب (37) من سلسلة "كتاب الأمة " (التي تصدر في قطر): إن من لوازم الخاتمية وتوقف النبوة: سلامة خطاب التكليف من التحريف والتبديل والانتحال والغلو والتأويل، حتى يكون التكليف صحيحا، ويترتب عليه الثواب والعقاب، ويتحقق العدل الإلهي... ومن لوازم الخاتمية، أيضا: الخلود، وتجرد النص الإلهي في الكتــاب والسنـة عــن حدود الزمان والمكان، وأسباب النزول والورود... فالخلود يعني: القدرة على العطاء والامتداد وتوليد الأحكام والبرامج، والاستجابة لمعالجة المشكلات ومواجهة المتغيرات، فى كل زمان ومكان، والقدرة على إنتاج النماذج التى تظهر بالحق وتثير الاقتداء في كل زمان ومكان أيضا... ويقول الدكتور/ محمد أبو شهبة:... لقد حفظ الصحابة القرآن وتدبروه وفقهوه، وبلّغــوه كمــا أنزله الله إلى من جاء بعدهم من التابعين، وحمله التابعون وبلّغوه – كما تلقوه – إلى من جاء بعدهم، وهكذا تناوله الجم الغفير الذين لا يحصون في كل عصر إلى أهل العصر الذين يلونهم. وانضم إلى الحفظ والتلقى الشفاهي التقييد بالكتابة فى عصر النبى صلى الله عليه وسلم حتى وصل إلينا لا تزيُّد فيه ولا اختلاف، ولا تحريف ولا تبديل 0 هذا الكتاب المجيد هو معجزة الإسلام الباقية على مرّ الزمان، معجزته منذ نزل بين أناس فصحاء، وقوم بلغاء، معجزته التى اكتملت فيها جميع جوانب وأوجه الإعجاز: إعجاز فى اللغة، إعجاز في البيان، إعجاز فى الإخبار بما فات، وما يحدث وماهو آت، إعجاز فى الإشــارات العلمية، والمسائل الكونية، والقواعـــد السياسية، والأسس التشريعية... إلخ. نعم، لابد وأن يكون هذا الكتاب العظيم محتويا لأسرار خلوده وأسباب مواءمته لعالمية الرسالة الإسلامية – زمانا ومكانا – وشموليتها وهيمنتها على ما سبقها من رسالات. ولقد تميزت الرسالة الإسلامية عن غيرها بأنها موافقة لفطرة الإنسان السويّ، ملبية لحـاجاته المعقولة، مطابقة للحقائق العلمية، موضحة – في كثير من الجوانب – للظــواهر الكونية... وقد شرحنا هذا تفصيلا في كتابنا "الإشارات العلمية في القرآن الكريم - بين الدراسة والتطبيق" ( دار الفكر العربي بالقاهرة، ط1، 1995م ) 0 ولكن، لا بأس بدحض شبهة الجامدين في فهم القرآن، العاجزين عن الغوص في بحاره، أو حتى النزول الى شواطئه... لقد أُمرنا أن (نوغل) فيه برفق، ولكننا أُمرنا بأن (نوغل)، ولم ينهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وحاشاه أن ينهانا وهو يأمر بتدبر القرآن والتفكر فى آياته واستخراج ما يمكن استخراجه من لالئه المخبوءة ودرره المكنونة... إن هؤلاء الجامدين عقليا، العاجزين فكريا، الذين يريدون ألاّ يتجاوز القرآن الكريم حدود أبواب المساجد أو سرادقات المآتم، وألاّ يرجع المسلم إليه سوى فى العقيدة والعبادات، لا يعلمون أننا نعيش فى القرن الحادي والعشرين الميلادي، وعلى عتبة الألفية الثالثة الميلادية... قرآننا أحـــق من غيره بالبحث عن كنوزه: نقول للمنكرين على علماء الطبيعيات دورهم فى الكشف عن كنوز (أو بعض كنوز) القرآن العظيم، إننا الآن نعيش عصر العلم والتكنولوجيا، عصر ثورة المعلوماتية، عصر الفضاء وارتياد الأجواء، عصر الهندسة الوراثية والبيولوجيا الجزيئية... لقد قصرت أفهامكم عما يستخرجه ويستنبطه ويستخلصه علماء الطبيعيات والكونيات والطبيات (إذا جازت الصفة) من آيات هذا الكتاب الكريم، علماء الطبيعيات المسلمين وغير المسلمين... وقد كان لأسلاف هؤلاء العلماء من المسلمين إسهامهم، وكان يحدوهم أمر الله لهم بتدبر الآيات واستلهام الأفكار من تلاوتها، تلاوة العلماء لا تلاوة الجهلاء، تلاوة الكرام لا تلاوة النيام، تلاوة استلهموا منها أفكارا لبحوثهم وتجاربهم... وأما الخلف لهؤلاء العلماء المخلصين فإنهم يسعون للكشف عن معجزات القرآن التي لن ينتهي عطاؤها، مصداقا لقول الله تبارك وتعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ{53} [سورة فصلت]، وهى الآية التى ســـيكون لنا معها وقفه تدبرية نقضى بها لحظات تفكرية، بعد قليل، إن شاء الله... إن معرفة المنكرين، أو المعارضين، لبحث ودراسة الإشارات العلمية فى القرآن العظيم توضح أنهم لا نصيب لهم – في الغالب – من العلوم الكونية أو المعارف الطبيعية أو المعلومات الطبية، هؤلاء لا يعرفون الفرق بين الكيمياء والسيمياء، ولا بين الفلك والتنجيم، ولا بين البَرْد والبَرَد، ولا بين الحبل السُّرى والحبل السرِّ... هؤلاء الذين لـيس لهم حظ في (القراءة العلمية) للآيات القرآنية، وإنما قراءتهم لا تتعدى القراءة التعبدية، هؤلاء يقفون خارج شواطئ بحار القرآن، وينظرون إلى لججها بعيون رمداء، هؤلاء يحرّمون على علماء الطبيعيات والحياة والطب حقوقهم في تدبر آيات الله المتلوة، هؤلاء يدّعون أن المتأخرين (أو المحدثين) لن يأتوا بأفضل مما أتى به الأولون ( أو المتقدمون)، ونسوا أن الخير في أمة الإسلام إلى يوم القيامة -كما أخبر المعصوم صلى الله عليه وسلم بذلك-، نقول لهؤلاء جميعا: إن الإسلام جاء لتحطيم أغلال الحجر على العقول والأفكار، جاء لإزالة الجمود العقلي وإلغاء الانغلاق الفكري... لهؤلاء نسوق الأخبار التالية، لعلهم يفهمون المقصــد ويعتبــرون ويــراجعون أنفسهــم، ويعتـذرون عما خالطهم من سوء فهم وتقصير فكــــر: (1) "حديقة توراتية للحيوانات": هذا عنوان خبر نقلته جريدة الأهرام ( القاهرية ) في عددها الصادر يوم 29 سبتمبر 1994م، عن وكالات الأنباء، ويقول الخبر: (حديقة للحيوانات التى ورد ذكرها في التوراة، نقلتها إسرائيل إلى مكان آخر أكثر أتساعاً فى إحدى ضواحي القدس وفق تخطيط جديد يؤكد رسالتها التراثية والثـقافية، ويمنح زوارها والمترددين عليها فرصة أكبر للتزود بأكبر قدر من المعرفة، من خلال الاقتراب الآمن من أىّ حيوان فيها، والوقوف على آخر الدراسات والمعلومات الخاصة به، باعتبارها مركزا ثقافيا ومنارة تعليمية000 كانت هذه الحديقة قد أنشئت عام 1944م، إلاّ أن التوسعات العمرانية من حولها جعلت نقلها من مكانها ضرورة لابد منها، وكانت مساحة الحديقة القديمة نحو (15) فدانا، أما مساحتها الجديدة فتبلغ نحو(70 ) فدانا...!! وتستأنف وكالة الأنباء قولها: أشرنا منذ عدة أسابيع إلى حديقة للنباتات التوراتية أنشأتها إسرائيل وزودتها بكل النباتات والأشجار التي ورد ذكرها فى التوراة، وذلك بهدف ربط المواطن الإسرائيلي بتاريخه وتراثه وتقاليده، وتأكيد انتمائه إلى كل ذلك...الحديقتان مزودتان بمكتبات وقاعات لعرض الأفلام، ومطعم لتقديم الوجبات الخفيفة للرحلات الجماعية وتلاميذ (المدارس)...!! وليلاحظ كل ذى عقل، وليعلم كل ذى لبّ، كيف يتشبث هؤلاء الذين لا يوجد بأيديهم كتاب له عصمة الوحي، بل بأيديهم مجموعة من الإملاءات أو الأخبار والأقوال، حتى وإن احتوت بعض فقرات من التوراة، هؤلاء الصهاينة والإسرائيليون يخططون ويبرمجون وينفذون، هؤلاء يربطون مواطنيهم بألفاظ وكلمات وأسماء الحيوانات والنباتات التي يظنون أنها وردت فى التوراة، ويربطون مواطنيهم بالكتب التي يقدسونها، رغم قناعة باحثيهم أنها كتب كتبها بشر بأيديهم وحسبما رأوه، وليس وحيا من الله... فما بالك بأناس لديهم كتاب صحيح عظيم لم يمسّه أي تحريف ولن يطوله أيّ تصحيف، كتاب أنزله الله وحياً، كتاب احتوى من الأسرار ما يتوالى الكشف عنه يوماً بعد يوم، وجيلا بعد جيل...!! (2) أوردت مجلة (كل الأسرة) – الخليجية – في عددها (139) الصادر في 12 يونيو 1996م خبراّ نصه: (في محاولة لنفي تهمة معادة العلم، كشف الفاتيكان مؤخرا عن مراكز أبحاثه السرية ودراساته الفلكية المتكورة. فقد تبيّن أن الفاتيكان موّل مشروعاً ضخما لصنع مرآة عاكسة في ولاية أريزونا الأمريكية بتكلفة مليوني دولار، والتي تعرف باسم "أسرع مرآة في الغرب". والمشروع عبارة عن تليسكوب لاسلكي قادر على رصد ومتابعة تكون الكواكب في الفضاء الخارجي. كما كشف البابا يوحنا بولس الثاني عن المرصد الضخم الذى ينتصب في كاسل جاندولفو (المقر الصيفي للبابا). وكان هذا المرصد مسرحا لأبحاث عدة علماء ورجال دين تعاقبوا عليه عبر العصور، مثل كوبرنيكوس، الذى كان أول من أعلن أن الأرض ليست مركز الكون، الأمر الذى عرضه للنبذ والتشريد (*). هكذا يحاول الحلف أن يمحوا ما اقترفه سلفهم، يحاول النصاري المعاصرون (المسيحيون) أن يعالجوا آثام أسلافهم الذين نبذوا العلماء وشردوهم، وعذّبوا كل من يقول بغير رأيهم الذي كان الفهم الأوحد لنصوص الإنجيل، أقصد الأناجيل، أقصد الكتب التي كتبها قساوستهم، وماهى بوحي إليهم أبدا... حتى الذين يلبسون المسوح ويعيشون في الأديرة يعملون بالبحوث العلمية، ويواصلون بحوثهم ليكتشــــفوا اكتشـــافات فـــلكية، وخلوية، وإنسانية، وحيوانية، ونباتية... إلخ. القــــرآن وعصمـة الوحي: إننا نحن المسلمين وحدنا فى العالم نملك الوثيقة السماوية التى تحمل كلمات الله الأخيرة لهداية البشرية: (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً{105} ) [سورة الإسراء]، الوثيقة المحفوظة من كل تبديل أو تحريف، لفظى كان أم معنوى، وستظل هكذا إلى يوم القيامـة: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ{9}) [سورة الحجر] 0 لقد أنطق الله ألسنة الكثير من النصاري لقول كلمة الحق عبر العصور، وعلى سبيل المثال: أكد فريق من الأساقفة والرهبان النصاري في الدانمارك بعد مناظرة مع علماء المسلمين أن (القرآن الكريم هو الكتاب الإلهي الوحيد الذى لم يتعرض للتحريف قط، فى حين أن الكتب السماوية لسائر الأديان الماضية قد تعرضت للتحريف على مدى التاريخ)، وقد ذكر هذا الأستاذ / محمد كامل عبد الصمد فى كتابه: (اعترافات الأجـانب)، وقد نقله عنه أبو عبد الرحمن صالح اليافعى في كتابه (المعجزة المتجددة) 0 ولقد اهتم المسلمون عبر تاريخهم الطويل بكتابهم المجيد، قراءة وتلاوة وحفظا وتجويدا ودراسة وبحثا وتنقيبا، وتعدّى حفظه معاني الكلمات والألفاظ إلى طريقة الأداء ومخارج الحروف، ووجد فيه كل صاحب فكر بغيته، وكل صاحب مذهب ضالته، وبالرغم من كل هذا، لن تنتهي عجائبه ولن تنفد خزائنه، ولن ينضب معينه الفياض أو تنحسر بحاره العميقة الزاخرة... ومن نافلة القول إنه قد نشأت على مر العصور علوم قرآنية، منها على سبيل المثال: علم الإعجاز، ولقد نشأت فكرته أول ما نشأت فى القرن الثاني الهجري، وفى عهد الدولة الأموية، حيث كانت مجالس بعض العلماء بالبصرة تموج بتيارات فكرية مختلفة، حيث تعددت الثقافات وتنوعت اللغات وكثرت الأجناس التي دخلت فى دين الله أفواجا، ووفدت على الدولة الإسلامية مذاهب خارجة عن الإسلام، كالدهرية والزرادشتية والمانوية وغيرها … وشغلت (قضية الإعجاز) منذ ذلك العهد الفكر الإسلامي، وتدارسها كثير من العلماء والفلاسفة والمتكلمين، وكان لكل منهم رأى ووجهة نظر، وأفردوا لها عشرات البحوث والرسائل والكتب والمصنفات، على مرّ العصور... عــــــلميّة القـــرآن: إن القائلين بعلمية القرآن – وصاحب هذه السطور من بينهم – لا يقصدون أنه كتاب أنزله الله ليعلم الناس العلوم التجريبية، كالكيمياء والفيزياء والعلوم الهندسية، والعلوم الطبية، كالتشريح وتدابير العلاج ووسائله، وغيرها... لكنه حين يتعرض لآية كونية أو عمرانية أو إنسانية، فإنه يوجهها لغرض (الهداية)، هداية عبادة الخالق الواحد الموجود العليم القدير، وهداية الطريق المستقيم في معرفة هذا الإله الواحد الأحد، وهو فى تناوله هذا تبلغ آياته من الدقة مبلغا لا ترقى إليه الصياغات العلمية الحديثة، وتشير إلى الحقائق العلمية ولا تتصادم معها أبدا، ولا تضع الحوائل أو الحجر على العقول في سبيل الوصول إلى معرفتها، بل تمهد هذه الآيات القرآنية الطريق إلى اكتشاف الكون والتعرف على مكنونات المخلوقات والوصول إلى معرفة ما يمكن الوصول إلى معرفته من عظمة الخالق وإبداعه في خلقه وصنعته... وأمـــا النقطة الثانية في هذه الجزئية، فهي أن تدبر آيات القرآن العظيم، وتفهم معانيها، وإدراك مراميها، أمر وجوبي على كل مسلم ومسلمة، بقدر طاقته وطاقتها على الفهم والاستيعاب والإدراك، وهو أيضا أمر لازم على العلماء، بل ولازم عليهم أيضا أن يوضحوا مكامن العظمة فيه للناس كافة، مسلمهم وكافرهم، وأن يبينوا بعض ما يحتويه من أسرار علمية في إشاراته الكونية... وهؤلاء العلماء لن يستطيعوا النهوض بهذه المسئولية العظيمة إلاّ إذا كانوا على أعلى مستوى من الوعى بها، وعلى أرقى درجة من الحس الايماني، ومن الرؤية الصحيحة، والبصر النافذ، والبصيرة السليمة000وعندها سيجدون التطابق والانسجام بين الآيات القرآنية وبين الحقائق العلمية والمشاهدات الكونية، ويرون التوافق والوئام بين كلمات الله فى كتابه المسطور وكلماته في كتابه المنظور، ذلك أن آيات الله المتلوه تفصيل لآياته المجلوة في أرجاء الكون: ( وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ{98} ) [سورة الأنعام ]: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا{24 [ســــورة محمد]، (... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ{9} [ســـــورة الزمر]، ( وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً{105} وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً{106} [سـورة الإسراء] 0 وأما النقطة الثالثة في هذه الجزئية، فهى أن الله سبحانه حينما نزل القرآن، لم يشأ أن تخضع له رقاب العالمين قسرا وبلاء، بل طاعة وولاء، إنه سبحانه لم يجعل كبرى معجزات النبى حسية، تزول بزوال زمانها، كما حدث مع سابقيه من الأنبياء والرسل، بل جعلها معجزة علمية معنوية باقية، تتوالى الأزمان، وتتعاقب أجيال الإنسان، وفى كل جيل، بل وفى كل يوم، تظهر أوجه من الإعجاز أو المعاني الإعجازية أو الإشارات المعجزة لم تكن قد ظهرت فى الأجيال السابقة، أوجه ومعاني وإشارات فى الأمور العلمية والمسائل الكونية والجوانب الطبية والنواحي الطبيعية. ولعل الإحصائية التي عرضها العلماء لتوضح (علمية القرآن) ؛ وأن الآيات التي وردت بالقرآن حول الكون والحياة والأحياء والخلق والموت لم تأت لتلوكها الألسنة وتتشدق بها الشفاه، بل وردت ليدرسها الفاقهون من الناس ويبحثها العالمون من القراء... • مجموع الآيات القرآنية ذات الإشارات العلمية (صريحة أو ضمنية) = 1322 آية، أى ما يعادل 20% ( تقريبا ) من المجموع الكلي لآيات القرآن ( وهى 6236 آية ). ووردت (70) آية فى القرآن تحث على العلم وتشجع على البحث وتثنى على العلماء. ويمكن تصنيف (416) آية فى مجال العــــلوم الطبية، (138) آية فى الفــــيزياء، (130) آية فى علم الأحياء، (105) آية فى علوم الفلك والأرصاد والكونيات، (98) آية فى الجغرافيا، (89) آية فى علوم الزراعة، (79) آية فى الرياضيات والإحصاء، (69) آية فى علم طبقات الأرض، (35) آية فى علوم البحار والأنهار، (28) آية فى وسائل ووسائط النقل، (27) آية فى أصل الإنسان وبقية المخلوقات، (12) آية فى العلوم الهندسية، (11) آية فى الكيمياء، (8) آيات فى لغات الحيوانات 0 كما ورد أكثر من (20) آية تنطبق على جميع العلوم المذكورة. كما أن هناك (170) آية – تقريبا – قد تكرر ذكرها في موضوعات علمية عديدة لاحتوائها أكثر من إشارة علمية (علمين أو أكثر)، مثل الآية (164) في سورة البقرة، والآية (5) في سورة الحج. هذا، وقد كثر الأخذ والرد فى فهم عدد من الآيات القرآنية، كالآية (53) في سورة فصلت، والآية (51) فى سورة الكهف، ولذلك نعرض في الفقرات التالية موجز ما توصلنا إليه فى تحرير الفهم وتنوير الفكر فيما يخص كل منهما. حول قــــول الله تعالى: (ســـنريهم آياتنا...): يقول الله تعالى: ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ{52} سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ{53} أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ{54} ) [سورة فصلت] 000 يستدل البعض بالآية (53) على وضوح دعوة الله الي البحث في أنحاء الكون وأرجاء الإنسان، بل ويظن البعض أنه مُوجَّه إلى الإنسان المؤمن، ولكن الحقيقة ما نثبته في هذه العجالة. اختــلف المفسـرون فيمــا بينهــم بخصــوص تفســير هـذه الآيــة، وتنحصر آراؤهم في الآتي: (1) (في الآفاق) يعني فتح أقطار الأرض، (وفي أنفسهم) يعنى فتح مكة 0 (2) (في الآفاق) يعني وقائع الله فى الأمم الخالية، (وفي أنفسهم) يوم بدر0 (3) (في الآفاق) يعني إمساك القَطْر عن الأرض كلها، (وفي أنفسهم) أيْ البلايا التي تصيب أجسادهم (4) (في الآفاق) أى آيات السماء وأجرامها، (وفى أنفسهم) أيْ الحوادث التي تقع لكوكب الأرض 0 (5) (في الآفاق) أيْ آثار القدامى من المكذبين، (وفي أنفســــهم) أيْ خلقهم الجنيني المتجدد. ونود أن نلقي بعض الضوء على هذه الآية في النقاط العشر التالية: (1) من المعلوم أن هذه الآية، والسورة كلها، مكية، والسور المكية تذكّر كثيرا بآيات الآفاق والأنفس، من شمس وقمر وغيرهما من النجوم والكواكب والمخلوقات الأخرى. (2) إن المشركين – الذين وُجِّهت الآية إليهم – كانوا يرون آيات الآفاق والأنفس من قبل، لكن القرآن يوجه أنظارهم هنا إلى مواضع العبرة فيها، وبالتالي تكون رؤيتهم إليها بالتوجيه القرآني غير رؤيتهم الأولى. (3) إذا كان المفسرون قد اختلفوا في تفسير هذه الآية، فإن اختلافهم هذا إنما هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وإذا كان بعضهم يخصص التوجيه القرآني في الآية الكريمة إلى مشركى مكة، فلا مانع لدينا أن تكون الآية موجهة إلى كافة الكفار والمشركين وكل من يشترك معهم في الوصف، وهو عدم تبين الحق، عبر الزمان وعلى امتداد المكان. (4) يتحقق هذا الوعد الإلهي يوما بعد يوم، بتزويد الله سبحانه الإنسان بالمزيد من أدوات الإدراك والقياس والكشف والاختراع. (5) لماّ كانت كلمة (آية) تعني آية من القرآن، وتعنى أيضا العلامة أو العبرة، فلا مانع من فهم هذا الوعد الإلهي هكذا: سنريهم عظمة آياتنا المنظورة في الآفاق والأنفس، وسنريهم صدق آياتنا القرآنية فى الآفاق والأنفس. (6) جاءت الآية بصيغة المستقبل ( سنريهمٍ)، إشارة إلى تعاقب الأجيال، فيأتي كل جيل من الأجيال فيريه الله آياته شيئا فشيئا، وينقضي أجل الجيل دن أن تنقضي آيات الله. (7) إن الله يرُي الناس آيات جديدة في آيات معروفة، فكل آية معروفة أو ظاهرة، كالأرض أو القمر مثلا، تنطوى على آيات مجهولة، يتوالى الكشف عنها تباعا. (8) إن الله لا يُري الناس آياته مرة واحدة، ثم يحجبها عنهم، بل يجعلها ملازمة للناس، ومستمرة، يرونها باستمرار، كما أنه سبحانه ينشئ آيات جديدة في الآفاق والأنفس، لتستمر رؤية البشرية لها. (9) ( حتــى يتبين لهم أنه الحقٍ) ، قيل: إن الحق المذكور هنا هو القرآن، أو هو الإســـلام، أو هو قدرة الله على الخلق أو الإيجاد، أو هو محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه الرسول الحق. (10) إن الناظر إلى الآيات الأفاقية أو الآيات الأنفسية، المتفكر فيها، إذا تبيَّن الحق، فعليه اتباعه والإذعان له والعمل بمقتضاه، ولا يصده كبر أو هوى أو اعتقاد فاسد أو غيره من الموانع. حــــول قــــول الله تبارك وتعالى: (ما أشــهدتهم خلق السموات 000): يقول الله تبارك وتعالى في سورة الكهف: ( مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً{51} ) [سورة الكهف] 000وبهذه الآية الكريمة يستشهد البعض للعزوف عن بحث الأمور الغيبية كموضوع الخلق الأول، سواء للكون أم للإنسان... ومن جانبنا نرد هؤلاء بالأدلة الستة التالية: ناقش الفخر الرازي فى قوله تعالى: ( مَّا أَشْهَدتُّهُمْ ) مناقشة تفصيلية (كعادته في تفسيره المسمى "مفاتيح الغيب" )، ونوجزه في أن المعنى هو: ما أشهدت الذين اتخذتموهم أولياء (أيْ: أبليس وذريته، وقد ذكرتهم الآية السابقة مباشرة) خلق السموات والأرض، ولا أشهدت بعضهم خلق بعض. وقد يكون الضمير عائد إلى الكفار الذين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: إن لم تطرد من مجلسك هؤلاء الفقراء لم نؤمن بك. ويدعم هذا الرأي أصل من أصوله اللغة هو نسبة الضمير إلى أقرب المذكورات، والأقرب هنا هو ذكْر أولئك الكفار، وهو قول الله تبارك وتعالى: (بئس للظالمين بدلاً) في نهاية الآية (50)، وهى الآية السابقة مباشرة 0 1- أشار الزمخشري (صاحب الكشاف) إلى أمور منها: جواز قراءة (وما كنت) (بفتح التاء)، وعليه يكون الخطاب موجه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون المعنى: وماصحَّ لك الاعتضاد بهم (أيْ بالكفار الذين أتوه في هذه المناسبة )، وما ينبغي لك أن تعتز بهم. ونفهم من كلام الزمخشري الوارد بعد ذلك أن هؤلاء الكفار لما كانوا يفتخرون على الفقراء الذين أسلموا، فقد اقتدوا بإبليس حين افتخر على آدم لخلقه من طين 0 2- يقول الله تعالى: ( وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ{192} نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ{193} عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ{194} بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ{195} ) [سورة الشعراء] ويقول: ( الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ{1} إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ{2}) [سورة يوسف]، ويقول: ( كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ{3}) [ســــورة فصـــــلت]، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ{2}[سورة يوسف]... ولكي يظهر بيان هذا القرآن يحتاج العلماء إلى ترجيح معنى على معنى في فهم الآية أو الكلمة فيه، ويحتاج هذا الترجيح قرينة ذاتية أو خارجية، أو دليلا من السنة أو فهم الصحابة. والترجيح متعدد الأنواع، ويصــــل أحـــيانا إلى معنيين أو أكثر، للكلمة القرآنية الواحدة … كما أن التعقل والتدبر في آيات القرآن مطلب قرآني، لحث وتنشيط العقل على استنباط المعاني، وفق منهج اللغة العربية التي نزل بها القرآن 0 3- يقول الله تعالى: ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} ) [سورة الواقعة]. وجاءت كلمة (علمتم) بصيغة الماضي تأكيدا من الله بأن الإنسان سيعلم – يوما ما – تركيب هذه النشأة، نشأة الكون ونشأة الأشياء الموجودة فيه، وهو سيعلم هذا وذاك مصداقا لقول الله تبارك وتعالى: (لكل نبأ مستقر، وسوف تعلمون) [سورة الواقعة]0 4- ليس هناك تعارض بين قوله الله : ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ{62} ) [سورة الواقعة] وبين قوله الله تعالى: ( مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً{51} ) [سورة الكهف]، لأن هذا السياق القرآني يفرض علينا أن نفهم قول الله تعالى (ما أشهدتهم) بمعنى (ما أشركتهم)، فالله سبحانه لم يشرك أحدا معه في خلق السموات والأرض ولا خلق الإنسان. والآية التالية في نفس سورة الكهف تؤكد هذا، ونصـــها: ( وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً{52}) [سورة الكهف]. كما أن هناك مثاني قرآنية تؤكد ما ذهبنا إليه، مثل قوله الله تعالى: ( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ{23} ) [سورة البقرة]، حيث تعني (شهداؤكم ) شركاءكم 0 5- إن اعتياد كثير من المفسرين على ترجيح معنىً معين، للآية أو الكلمة القرآنية، على غيره من المعاني، والانتصار له، وعدم سبر جميع المعاني الأخرى، يغلق بـــاب التدبر والتأمل والتفكر في كتاب الله المجيد، وهو باب دعى القرآن إلى ولوجه، كما أشرنا من قبل... كما أن المفسرين حين ينتصرون لمعنىً معين ويغلّبونه على غيره من معانى اللفظة القرآنية، فذلك فى حدود علومهم وما توفر لديهم من معارف في عصورهم، وهناك قاعدة في التفسير تقول: (التفسير ليس قرآنا )، فكلام المفســــر إذن يؤخـــذ منه ويرد، مهما علا شــــأنه: ( وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ{93}) [ســورة النمل]، ( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ{87} وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ{88}) [سورة ص]، (لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ{67} ) [سورة الانعام] 0 أهـــداف القرآن وغـايــــاته: إذا كان المقصود الأسمي من القرآن العظيم هو هداية البشر وإرشادهم إلى صلاح دنياهم وخير آخرتهم، فإن للقرآن أيضا أهداف أخرى سامية، ومن ثم أودع الله سبحانه فيه كنوزا عديدة، يتوالى الكشف عنها بتوالي القرون... وهذه الهداية التى نزل القرآن من أجلها تقتضى ألا يخاطب الناس عن حقائق الكون بما ينكرون، فيحول ذلك دون قبولهم لدعوته، كما تقتضي هذه الهداية ألاّ يوافق الناس على باطل معتقداتهم الكونية في عصر نزوله، فيقوم ذلك حائلا دون قبول دعوته فى عصور التقدم العلمي والتكنولوجي...، وكما ذكرنا، فإن تجنب هذين العائقين عن قبول الهداية القرآنية إنما هو من بدائع إعجاز القرآن في أسلوبه، وهو دليل عظيم على أنه حقا من عند الله... كما أن هذا التدرج فى إدراك تمام الطابق بين العبارات والإشارات القرآنية، وبين الحقائق الطبيعية، يبقى القرآن معجزة متجددة على مر العصور 0 ولقد وردت الإشارات العلمية في أنحاء متفرقة من سور القرآن، لأهداف، منها ماهو عام أو رئيسي، كالدليل على أن للكون إله واحد خالق مبدع، وتفنيد أباطيل الملحدين، وكذلك توضيح النظرة الإسلامية للكون... ومنها ما هو فرعى، كالحث على تعلم العلوم الكونية والتعمق فيها وفهم أسرار الظواهر ومعرفة عجائب المخلوقات، وكذلك الحض على بيان ما تيسر للعلماء من أوجه الإعجاز العلمي في القرآن فى عصرنا الحاضر... وبعبارة أخرى، فإن الإشارات العلمية الواردة فى القرآن، تؤدي دراستها إلى تعميق التصديق بأركان الإيمان الغيبية، لأن الأمور المادية المحسوسة في القرآن قد كشف العلم الحديث عن صدقها، وأظهر حكمتها، فلا يبقى سوى التصديق بالطرف الآخر من (المعادلة)، وهو الأمور المعنوية والغيبية 0 وهناك مسئولية كبيرة تقع على عاتق الباحثين لهذه الإشارات العلمية القرآنية، فإذا كان الكشف عما بها من سبق علمي أو بيان إعجازي، مطلوب، فمطلوب أيضا أن ينظر الباحث المسلم فى هذه الإشارات، والآيات، نظرا يقدح زناد فكره، ويتدبرها تدبرا يفتح الطريق الي تحقيق كشوف جديدة... وعلى الباحث المسلم أن ينظر فى الآيات العلمية القرآنية كما نظر الفقهاء الأوائل فى آيات الأحكام الفقهية الواردة في القرآن، فلقد جاءوا بكل وجه محتمل في تفسير الآية الواحدة، واحتجوا لكل وجه بما يمكن من حجج، واستعانوا بالأدلة النقلية والعقلية لتغليب أصح الوجود... وآيات القرآن العظيم في العلوم الطبية والطبيعية تؤيد هذا النظر، بل وتقطع بصحته. عـــلم الـكلام القرآني: طالعنا في العديد من البحوث والمقالات دعوة عدد غير قليل من العلماء المسلمين إلى ضرورة التأسيس (لعلم كلام جديد) يناسب العصر الحديث، ولما كانت الإشارات العلمية الواردة في القرآن الكريم ذات دخل كبير في هذا الموضوع، نخصص الجزئية الحالية لبيان ضرورة هذه الدعوة، وان كنا قد أشرنا إلى هذا سريعا فى كتابنا ( الإشارات العلمية في القرآن الكريم... بين الدراسة والتطبيق )، المذكور من قبل 0 وبداية، فإن علم الكلام القرآنى يقوم على أساس من دراسة الآيات الكونية الواردة فى القرآن، وعلى أساس الأسلوب الاستدلالي، المبني على تدبر إشارات القرآن إلى آفاق الكون وآفاق الإنسان... وفى بحث قيم للدكتور/ بلقاسم الغالي (الأستاذ بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية في قسنطينة بالجزائر) منشور بمجلة المسلم المعاصر (62، 1412هـ / 1992م) نبذة عن (علم الكلام) عموما، إنه (علم إسلامي أنار العقول، ووضَّح المفاهيم، فكان درعا للإسلام، وسلاحا بيد علمائه ضد الآراء والمذاهب التى تخالفه000 ولقد طرأ على مباحث هذا العلم ما طرأ على بعض العلوم الإسلامية من بُعْدٍ عن الابتكار والتجديد، والتردي في مهاوي الانحدار والسقوط، وصار الاجتهاد فى (علم الكلام) منحصرا في ترديد مقالات السابقين وشرحها، أو توضيح متن وحلّ مغلقاته، وصارت كتب السابقين تحاورا فى الألفاظ وتناظرا في الأساليب، وتخلّف ركب هذا العلم تبعا لتخلف المسلمين العام، وأصيب بالضحالة، لكنه لم يُصَبْ بالعقم، لأن محاولات التجديد لم تغب عن الساحة إلا في عصور الانحطاط والظلام 0 وعــــن مشروعية (عــلم الـكلام) يقول الدكتور/ الغالي: تأسس (علم الكلام) انطلاقا من مبــدأ أشار إليه القرآن الكريم، يتمثل في الدعوة إلي الله بالحكمة والمجادلة بالتي هى أحسن: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ{125} ) [ سورة النحل ]، ولا سبيل إلى سلوك هذه الأساليب إلا بتأسيس علم له أصوله ومناهجه التى تؤهل إلى شرح العقيدة ومناقشة الخصوم وصد الهجوم. وعن التحديات التي يواجهها (علم الكلام) تحدث الباحث، ولخص تحديات الأمس في أصــل الأصول، وهو قضية الألوهية التى للإسلام فيها طرح خاص، وهو التوحـيد الخالق، والإعراض عما عداه من وجوه الاعتقاد، وسواء عند اليهود أم عند المسيحيين أم عند غيرهم... ثم في الأصل الثاني، وهو قضية النبوة، وتنزيه الأنبياء عن معايب ونقائص يلصقها اليهود دائما بهم... ثم في الأصل الثالث، وهو البعث ونكرانه الذى كان عاما في جميع الأزمان... وأما التحديات الحاضرة فأوجزها صاحب البحث في الفلسفات التـــي ظهــرت فــى العصــر الحــديث، مثل فلسفات: فولتير (1788)، أوجست كونت (1857)، ريــنال (1892)، دوركايـم (1917)، ليفـي بــــورل (1939)، رينـــبو (1916)، جوبلو (1935) 0 وبعد أن تحدث صاحب البحث عن أهمية الثقافة العلمية (التي تشغل فى هذا العلم مساحة كبيرة سماها: علوم المقاصد أو علوم الوسائل)، شرح خصائص المنهج القرآني فى الاستدلال على وجود الله، وهى ذاتها أبرز خصائص منهج علم الكلام القرآني، نوجزها فى النقاط التالية: مناسبة هذا المنهج الاستدلالي لجميع المستويات الفكرية، فهمها لا يتوقف على علم فائق ودراسة واسعة للعلوم والفلسفات، يفهمها العوام كما يفهمها الخواص، وتناسب جميع المستويات، سواء فى ذلك العاميّ والعالم والفيلسوف، وكل واحد من المستويات يجد فيها ضالته. عدم إغراقه فى التجريد والنظريات الصرفة، كما فعل الفلاسفة، ولا ينهمك فى الاستدلالات الأرسطية، والتفريعات إلى مقدمات كبرى ومقدمات صغرى، ونتائج، كما فعل المتكلمون، وإنما هو منهج يراعى الإقناع فيه الفكرة الإنسانية، وهى مشتركة بين الناس جميعا. (1) إنطلاقه من المحسوس، والمحسوس قريب من الإنسان، سهل التناول عقليا، وآيات القرآن الدالة على هذا كثيرة، وكثرة الأدلة تفيد القوة وترسخ الإيمان، وتعتمد كثيرا على الأمور الموضوعية الواقعية... (2) إنه خاطب العقل والقلب معاً، ولا يهتم بجانب ويهمل الجانب الآخر، بل يشتمل على الجانبين، المادي والروحي. (3) إنه لا يعتمد الصورة العامة المجملة، لكنه يسوق الأدلة على هيئة جزئية مفصلة، مثل قول الله تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ{10} يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ{11} وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ{12}) [ســورة النحل] 0 (4) إنــه يعتمد التنوع أسلوبا له، بحيث لا يقتصر على مثال واحد في المجال الواحد، بل يلفت نظر الإنسان إلى عظمة الاختراع، ودقة الصنع، في عجائب الحيوان والنبات، وما اشتمل عليه الإنسان من الآيات الباهرة، وما حوته الأرض والسموات من ملايين الكواكب: ( أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا{27} رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا{28} وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا{29} وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا{30} أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا{31} وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا{32} مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ{33}) [سورة النازعات]. (5) مسايرته للفطرة في صوغ أدلته، وتغذيتها، وإشعار كل إنسان في أعماق نفسه بالاستجابة لها والإصغاء إليها، حتى الملحد بعقله. والفطرة شعور مشترك بين الناس جميعا، كامن فيهم، يشهد بأن فوق هذه الكائنات المحدودة المتناهية كائنا غير محدود ولا متناه، يهيمن على كل شئ، ويدبر كل شئ، شعور ينبع من أعماق النفس، شعور يجده الإنسان في نفسه بغير تعلم ولا تلقين ولا اكتساب 0 وبعد ذلك شرح الباحث نماذج من الاستدلال على وجود الله من القرآن الكريم، وصنفها إلى: دليل الخلق، دليل الإتقان، دليل العناية والتسخير، دليل التسوية، ودليل التقدير، وهما دليلان متفرعان من دليل النظام العالمي، ودليل الهداية الذي يندرج تحت برهان العلة الغائية... ومن الجدير بالذكر في هذا المقـام أن نورد موجز ما عرضه الشيـخ/ عبد المجيد بن عزيز الزنداني (أول أمين لهيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة بمكة المكرمة) في الجزء الثاني من كتابه (توحيد الخالق)، والذي شرح فيه ضرورة علم التوحيد في الدين، وأهدافه، ثم عدد الأدوار التي مر بها عبر مسيرة الأمة الإسلامية، وملخصها: (1) الدور القرآني الذي يعتمد على أخذ الدليل من آيات الله المبثوثة في الكون، وعلى إيقاظ الأحاسيس الفطرية والمشاعر الوجدانية، وبه أخرجت للناس خير أمة. (2) دور الفلسفة والجدل، وهو دور تاريخي انقسمت فيه الأمة، والمفكرون عموماً، إلى فرق وأحزاب. (3) دور التقليد، حين فترت الهمم، وخفت ضوء العلم، وتمزقت الأمة، وضرب العقل، واختلط الصالح بالطالح والحق بالباطل. الدور القرآني مع موجبات العلوم الحديثة، وما نعيش فيه الآن، في عصر ثورة المعلومات، وتدفق سيل الكشوف العلمية والاختراعات، وتوصل الإنسان إلى أشياء لم يكن قد وصل إليها أسلافه في الأجيال السابقة 000هذا الدور يعتمد على تدعيم التوحيد عن طريق نمط جديد أو وجه حديث من وجوه الإعجاز القرآني، هو الإعجاز العلمي... يقول العلامة الدكتور/ يوسف القرضاوي ( في كتابه "كيف نتعامل مع القرآن؟": دار الشروق بالقاهرة، ط 1، 1998م): إن "العقلية العلمية" التي يُنشئها القرآن العظيم بوصاياه، وتوجيهاته وأحكامه، هى التي تحقق الازدهار العلمي، وتهئ المناخ لظهور علماء يبحثون ويبتكرون في كل مجال، وهو ما حدث في الحضارة الإسلامية، التي جمعت بين العلم والإيمان، بل التي اعتبرت العلم دينا والدين علما، وكان علماؤنا أساتذة العالم، وكتبهم مراجعهم، وجامعاتهم موئلهم لعدة قرون، وذلك كله بفضل الإسلام الذي جعل منهم خير أمة أُخرجت للناس... وفي مواقع أخرى من كتابه، يشرح الدكتور/ يوسف القرضاوي المجالات التي يمكن فيها استخدام العلوم الكونية في التفسير، وينبغي عدم الخلاف عليها، نوجزها فيما يلي: (1) تعميق مدلول النص: تعميق مدلول النص، وتوسيع فهمه ومداه للإنسان المعاصر، وذلك بما تقدمه العلوم الكونية من بيانات ومعلومات تزيدنا معرفة بمفهوم الآية، وتوضحه بالشواهد والأمثلة، التي توافرت في ضوء العلم الحديث. (2) تصحيح معلومات بعض المفسرين القدامي: القيام بتصحيح بعض المعلومات الخاطئة التي اعتمد عليها بعض المفسرين القدامى، وأخرجوا منها بعض آيات القرآن الكريم عن ظاهرها البيِّن، محاولين تأويلها، وإخراجها عن معناها المتبادر منها، لتوافق ماهو مألوف عندهم، ومتفق مع معارفهم. (3) تقريب الحقائق الدينية لعقول البشر: إن لدينا من الحقائق العلمية ما يمكن استخدامه في تأييد الدين وتوضيح مفاهيمه، ونصرة قضاياه، والذبّ عنه، بدفع شبهات خصومه ومفتريات أعدائه 0 أ) تقريب بعض المعتقدات والحقائق الدينية من أفهام أهل العصر، وتأييدها بمنطق العلم التجريبي نفسه 0 ب) ويستطيع العلم بمكتشفاته ومقرراته أن يؤيد كثيرا من الأحكام الشرعية ببيان ما اشتملت عليه من جلب المصالح للناس، ودرء المفاسد عنهم، وبذلك يزداد الذين آمنوا إيمانا، ويضعف جانب المرتابين والمشككين في كمال الشريعة الإسلامية، وصلاحيتها لكل زمان ومكان 0 وفي كتابه "من علم الفلك القرآني " (دار العلم للملايين، ط 2، 1993م)، يقول الدكتور/ عدنان الشريف: إن الباحث في كتاب الله العظيم يجد مئات من الآيات الكريمة بعضها اليوم يمثل مبادئ أساسية وثوابت علمية في فروع العلوم المادية، والبعض الآخر لم يكتشف العلم مضامينها حتى اليوم... فالحقائق العلمية الكامنة في هذه الآيات الكريمة لم تكشف إلا بعد قرون من التنزيل، لذا كانت كل آية منها برهانا علميا ودليلا منطقيا عقليا على أن القرآن هو كلام الله سبحانه وتعالي مصداقا لقوله تبارك وتعالى:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً{174}) [ســــورة الـنساء]... إن الإطلاع على نتائج دراسة الإعجاز العلمي القرآني، أو ما يسمي "الثوابت العلمية القرآنية "، ينتقل به المسلم – في العصر الحديث – من إيمان الفطرة إلى يقين البرهان العلمي، والبرهان العلمي القرآني صخرة الإيمان التي تتحطم عليها موجات الشك المتأتية من أنفسنا ومن غيرنا، لذلك نرى وجوب إعادة النظر في دراسة وتفسير أكثر الآيات القرآنية التي تطرقت في مضامينها إلى مختلف فروع العلوم المادية على ضوء الحقائق العلمية الثابتة التي اكتشفها الإنسان في العصر الحديث... ضــرورة تنقـــية الـكثير من كتب التفســير: نظرا لخطورة هذه المسألة في موضوعنا الذى نحن بصدده، رأينا ألا نختم قبل أن ندلي بدلونا في بيان خطورة الإسرائيليات والروايات المرسلة والحكايات التي تنتشر فى الكثير من كتب التفسير، وتختلف درجة انتشار هذه الإسرائيليات، فهي كثيرة في تفاسير وقليلة في أخرى... وبالرغم من هذا، لاتزال المطابع تعيد طباعة هذه وتلك على أفخر الورق وتنشرها بين القراء، ولايزال بعض الحاقدين من الأجانب يترجم نصوص من التفاسير بإسرائيلياتها، ويموّهون على أقوالهم ويدعون أن ما ترجموه إنما هو القرآن... ولقد تتبع المرحوم الدكتور/ محمد حسين الذهبي (وزير الأوقاف المصري الأسبق) في كتابه "الإسرائيليات في تفسير القرآن الكريم "(طبع ونشر مجمع البحوث الإسلامية بمصر، 1415هـ / 1995م) رواة الإسرائيليات، وجرى كلامه على النحو التالي: ( أ ) فى عهد الصحابة: تعرض أبو هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص لتهمة الأخذ عن أهل الكتاب في توسع وتسامح. كما روج كل من عبد الله بن سلام وتميم الداري للإسرائيليات ( وكانا من أهل الكتاب وأسلما )0 (ب) في عهد التابعين: كعب الأحبار، ووهب بن منبه (وكانا من أحبار اليهود الذين دخلوا الإسلام) 0 (جـ) في عهد تابعي التابعين: محمد بن السائب الكلبي، ابن جريج، مقاتل بن سليمان، ومحمد بن مروان السدي 0 وصنّف الدكتور/ الذهبي كتب التفسير على أساس ورود الإسرائيليات بها – إلى: أ ) كتب تروى الإسرائيليات دون نقد ما ترويه إلا قليلا، ومنها: (جامع البيان في تفسير القرآن ) لمحمد بن جرير الطبري (وقد ذكر أمثلة لذلك: سفينة نوح، نبى الله سليمان). ومنها أيضا: (تفسير القرآن العظيم) للحافظ ابن كثير (وقد ذكر أمثلة لذلك: بقرة بنى إسرائيل، حية موسى) 0 ب) كتب تروى كل شاردة وواردة من الإسرائيليات، دون إسناد أو نقد، ومنها: تفسير مقاتل بن سليمان (وقد ذكر أمثلة لذلك: ق، ويل للمطففين، وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا). ومنها: (الكشف عن بيان تفسير القرآن) لأبي اسحاق أحمد بن محمد الثعلبي النيسابوري ( وقد ذكر أمثلة لذلك: قصة التابوت، قصة يوسف، فتيه الكهف ). ومنها: (لباب التأويل في معاني التنزيل ) لعلاء الدين أبي الحسن على الشيحي (المعروف بـ "الخازن") (وقد ذكر أمثلة لذلك: فتية الكهف، داود، أيوب). ومنها: (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني) لشهاب الدين محمود الألوسي البغدادي، وإن كان من أشد الناقدين للإسرائيليات، بنفسه أو بنقل نقد الآخرين لها، لكنه إنزلق- أحيانا- إلى روايتها دون أن يعقب عليها أو يحذر منها ( وقد ذكر أمثلة لذلك: هدهد سليمان، دابة الأرض). ومنها: تفسير القرآن الحكيم، وشهرته (تفسير المنار) للسيد/ محمد رشيد رمضان، وكان من أشد الناس إنكاراً للإسرائيليات، ويضرب صفحاً عن ذكر الإسرائيليات ويكتفي بالإشارة إليها وبيان بطلانها، لكنه انزلق بعض المزالق في قياس هذه الإسرائيليات على ما ورد في التوراة، وكأنها المرجع المعتمد عنده لبيان بطلان الروايات الإسرائيلية. وقد رمى صحابة الرسول- رضوان الله عليهم - بالغفلة (ص 8 من ج 1 في تفسيره) 0 وبمناسبة "الإسرائيليات" وخطورتها وشيوعها في كثير من كتب تفسير القرآن، وضرورة تعقبها وإزالتها أو حتى التنبيه عليها، نشرت جريدة (الأنباء الكويتية في عددها (7003) بتاريخ 10 نوفمبر 1995م، تحقيقا صحفيا عن رسالة دكتوراه حول (الإسرائيليات في تفسير الطبري) للدكتورة/ آمال محمد عبد الرحمن ربيع، التي صدرت في شكل كتاب مطبوع عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر في عام 1423هـ/2001م 00 تصـنف الباحـــثة الإسرائيليات الواردة في تفسير الطبري (جامع البيان في تفسير القرآن) إلى: 1) نصوص متطابقة أو تكاد تكون متطابقة مع الآثار العربية والمصادر الإسرائيلية 2) نصوص متفقة في المضمون دون أن تتطابق مع الأثر العربي 0 3) نصوص مجملة في الآثار، ومفصلة في الأصول العبرية، وكذلك نصوص مفصلة في الآثار، لكنها مجملة في الأصول العبرية0 4) الآثار ذات الإضافات والمبالغات 0 وسـاقت الباحثة نماذج من هذه الإسرائيليات، ودراستها بالتفصيل من أجل تصنيفها، ومنها: قصة خلق الكون، قصة غواية الشيطان لآدم وحواء (فى فترة وجودهما بالجنة)، وهما مثالان من النصوص المتطابقة تطابقا تاما 0 وأما من النوع الثاني (النصوص التي تتطابق في المضمون)، فشرحت الباحثة قصة خلق حواء من ضلع أعوج، وقصة هابيل وقابيل. وأما الأمثلة للنصوص المجملة في الآثار الإسلامية المفصلة في الأصول العبرية، فمنها: قصة لوط مع الملائكة. ومن الأمثلة للإسرائيليات المجملة في أصولها العبرية المفصلة في الآثار الإسـلامية فمنها: قصة تعليم آدم الأسماء كلها. وأما الآثار ذات الإضافات والمبالغات، فضربت لها الباحثة أمثلة، منها: قصة يوسف مع امرأة العزيز، في مصر. ثم تحدثت الباحثة عن مصادر الإسرائيليات في تفسير الطبري وكيفية دخولها فيه، ثم تعقبت أهم رواة الإسرائيليات فيه، فوجدتهم: ابن عباس وتلاميذه: المسلم ابن الفضل، عكرمة، قتادة، مجاهد، وسعيد بن جبير. ولم تعثر على دوره لرواة إسرائيليات ظن الكثير في وجود دور عظيم لهم في هذه القضية، مثل كعب الأحبار، وعبد الله بن سلام. وقد بينت أن الطبري أورد هذه الإسرائيليات دون أي نقد أو تمحيص، وإن كان قد نبه إليها أو استنكر ما فيها، ولكن هذا محدود. وتقترح الباحثة في نهاية مناقشتها لرسالتها ما يلي: إعادة النظر في كثير من كتب التراث، مع الاستفادة بمستجدات العلم الحديث 0 تشكيل فريق عمل من العلماء والمتخصصين في التفسير والحديث وتحقيق النصوص وعلمـــاء اليهودية واللغة العبرية واللغة الآرامية، لبحث ما في هذه الكتب ونقده وتمحيصه 0 البدء بتنقية كتب التفسير، ثم كتب قصص الأنبياء، لتصحيح المفاهيم التي التصقت بالعقول واستقرت في الأذهان 0 1) إعادة طبع كتب التفسير بعد تنقيتها واستبعاد الروايات الإسرائيليات منها. 2) الإشارة في مقدمة كل كتاب يمكن طباعته من الكتب المنقاة إلى خطورة الإسرائيليات وضرورة الانتباه إليها والحذر من ترديدها، لأن هذا يسئ إلى الإسلام ويشوه صورته 0 3) تدريس مقرر حول الإسرائيليات (النشأة والخطورة وموقف الإسلام منها) في كليات الدراسات الإسلامية 0 4) ترجمة الكتب التي جرت تنقيتها إلى اللغات العالمية ونشرها 0 وإضافة إلى هذا وذاك، هناك نماذج من الإسرائيليات عرضنا لها في كتابنا (الإشارات العلمية في القرآن الكريم – بين الدراسة والتطبيق)، وكان أهم مصدر لنا فيها هو كتاب (الإسرائيليات في القرآن والسنة) للدكتور/ محمد أبو شهبة، وهو من إصدارات مجمع البحوث الإسلامية (الأزهر الشريف)0 وختاماً، فلقد انفرد القرآن العظيم بين كافة الكتب السماوية، بالحض على دراسة علوم الكون جميعها، وجعل هذا واجبا دينيا على القادرين من المسلمين، وذلك ليحرر العقول من أوهام الخرافات، وأباطيل الأساطير والحكايات، التي تحاك حول الظواهر والموجودات، والأحداث والكائنات: ( قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ{101}) [سورة يونس]... وعلينا نحن المسلمين أن نأخذ بمستجدات العلوم الحديثة لخدمة تفسير القرآن العظيم وتوضيح السنة المشرقة، فالحكمة ضالة المؤن أنى وجدها فهو أحق بها... وعلينا أن ننبه إلى أول وأهم مقومات الحضارة التي طال هجرانها لمهدها، وهو أرض الإسلام، ألا وهو فقه آيات الله في الكون، وهو الفقه الذي إن لم يكن يسبق فقه الآيات التشريعية، فلا أقل من أن يرافقه، إذ الآيات الكونية في القرآن هى مدار إثبات وجود الله سبحانه ووحدانيته، ومظهر كثير من صفاته العلمية التي لا نهاية لكمالها، كالقدرة والعظمة والرحمة والحكمة، ودلالاتها على ذلك كله: قطعية برهانية... ------------------ |