| المعارضـون للإعجاز العلمي: مناقشة علمية |
|
|
|
| الكاتب الأستاذ الدكتور كارم غنيم | ||
الحمد لله الذي أنزل القرآن ختاما لكتبه ورسالاته إلى البشر أجمعين، وأودع فيه من الأسرار مالا ينتهي إلى يوم القيامة... الحمد لله الذي جعل القرآن معجزة خالدة لخاتم الأنبياء و الرسل، معجزة عقلية ذهنية علمية، معجزة اكتملت فيها كافه الجوانب الإعجاز: في اللغة، في البيان، في الإخبار بما فات، وما يجرى وما هو آت، معجـــزة احتوت من الأمور العـلمية , والمسائـل الكونيـة، والقواعـد السياسيـة، والأسس والكليـات الاقتصادية، والتفصيلات الاجتماعية، والحقوق الإنسانية، والنظم البشرية...و ما لا يستطيع أي مخلوق أن يأتي بمثله على مر الزمان، وسيظل القرآن الكريم معجزة الإسلام الخالدة، وبرهانه الباقي، منذ نزل بين أناس فصحاء , وعلى قوم بلغاء، ولطالما يتلى بين باحثين وعلماء... تمهــــــــــيد: إن الله تبارك وتعالى جعل القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى لرسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، وذلك لتناسب خاتمية الرسالة وتوقف النبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.00وإن من لوازم الخاتمية وتوقف النبوة: سلامة خطاب التكليف من التحريف والتبديل والانتحال والغلو والتأويل، حتى يكون التكليف صحيحاً، ويترتب عليه الثواب والعقاب، ويتحقق العدل الإلهي... ومن لوازم الخاتمية، أيضاً: الخلود، وتجرد النص الإلهي ـ في الكتاب والسنة ـ عن حدود الزمان والمكان، وأسباب النزول والورود... فالخلود يعني: القدرة على العطاء والامتداد وتوليد الأحكام والبرامج، والاستجابه لمعالجة المشكلات ومواجهة المتغيرات، في كل زمان ومكان، والقدرة على إنتاج النماذج التي تظهر بالحق وتثير الاقتداء في كل زمان ومكان، أيضاً... هناك نفر ينكر على علماء الطبيعيات قيامهم بالكشف عن بعض حقائق القرآن وكنوز السنة، قديماً وحديثاً، وأما المنكرون المحدثون فلا يعدو نكرانهم ولا تزيد حججهم عما احتج به السابقون من المنكرين والمعارضين.. ولهؤلاء وأولئك نقول: إننا الآن نعيش عصر العلم والتكنولوجيا، عصر ثورة المعلوماتية، عصر الفضاء وارتياد الأجواء، عصر الهندسة الوراثية والبيولوجية الجزيئية... لقد قصرت أفهامكم عما يستخرجه ويستنبطه ويستخلصه علماء الطبيعيات والطبيات ( إذا جازت الصفة ) من آيات هذا الكتاب المجيد، علماء الطبيعيات المسلمين وغير المسلمين... ولقد كان لأسلاف هؤلاء العلماء من المسلمين إسهامهم، وكان يحدوهم أمر الله لهم بتدبر الآيات واستلهام الأفكار من تلاوتها، تلاوة العلماء لا تلاوة الجهلاء، تلاوة الكرام لا تلاوة النيام أو اللئام، تلاوة استلهموا منها أفكارا لبحوثهم وتجــــــــاربهم... ويأتي الخلف من العلماء المخلصين، فيبذلون جهودهم في الكشف عن معجزات القرآن وكنوز السنة، التي لن ينتهي عطاؤهما إلى يوم القيامة... وإن المتابع للمنكرين والمعارضين لهذا الاتجاه في فهم ودراسة الإشارات العلمية في القرآن والسنة، يستطيع أن يصنفهم أصنافاً... وللإيجاز، فإنهم لا يعدون أن يكونوا ثلاث فئات التقت في هدف واحد: فئة تضم بعض المتخصصين في العلوم الشرعية، لا حظ لهم في ( القراءة العلمية ) للآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ولا تتعدى قراءتهم لها القراءة التعبدية... لا ترى هذه الفئة دليلاً على الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، بل تتـشدق دائـماً بأن هذا الكتاب إنما هو كتاب تشريع وهداية، ولا دخل له بالكون ومحتوياته، ولا عـلاقة له بأحداث الكون وظاهرته، ويقصرون إعجاز القرآن على اللغة والبيان، وهم بذلك يعطلون الكشف عن كنوز عديدة في الآيات الكونية الواردة بالقرآن، وعليهم يقع وزر هذا التعطيل... إن هؤلاء يقفون بخارج شواطئ بحار القرآن والسنة، وينظرون إلى لججها بعيون رمداء، فيحرمون على علماء الطبيعيات والطب وعلوم الحياة حقوقهم في تدبر آيات الله المسطورة في كتابه المجيد، ويحاولون أن يحولوا بينهم وبين بيان بعض كنوز هذا الكتاب، ويدعون أن المتأخرين ( أي: المحدثين ) لن يأتوا بأفضل مما أتى به المتقدمون ( أي: الأولون ) , ونسوا أن الخير في أمة الإسلام موجود وموصول إلى يوم القيامة , كما أخبر بذلك المعصوم صلى الله عليه وسلم... وأما الفئة الثانية , فيمثلها نفر ممن يعيشون في عصرنا الحالي , وهم مجموعة من العلمانيين الذين يدعون، بل ويسعون، إلى تفريغ ألفاظ القرآن الكريم وكلماته من مضامينها، ويسعون إلى حصر التعامل معها على العبادات فقط، وينشطون بين الحين والآخر من خلال بعض وسائل الإعلام من قطع الصلة بين القرآن وبين مناشط الحياة المختلفة... ويتجرءون أحيانا فيتهمون المخلصين في بحث الإشارات العلمية للقرآن والسنة بالإفلاس في تخصصاتهم الأكاديمية، مما حدا بهم إلى هذا الاتجاه لملء الفراغ لديـــهم... خرصت ألسنتهم، لأن الواقع يؤكد تضلع هؤلاء في تخصصاتهم الأكاديمية، وصاحب البحث الحالي ـ على سبيل المثال ـ لا يزال عطاؤه العلمي الأكاديمي مستمرا بالرغم من بلوغه أرقى الدرجات الوظيفية الجامعية منذ أحد عشر عاما... وهناك فئة ثالثة يمثلها المتخوفون الذين يخشون من ربط القرآن بالعلم ومعطياته، يخشون من تطويع معاني كلماته ومدلول آياته لنتائج العلوم الحديثة... وهؤلاء لهم العذر أحياناً، وليس لهم حق في تخوفهم ـ غي كثير من الأحيان ـ أما أنهم ليس لهم الحق في تخوفهم هذا إذا قام بدراسة وبحث الإشارات العلمية الواردة في القرآن علماء وباحثون مؤهلون ملتزمون بمنهج ذي ضوابط... وربما يزيد من خوف هؤلاء المتخوفون ما يقع فيه الأدعياء من المتحدثين في مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، من سقطات، سببها هو عدم تضلعهم بعلومهم أولا، ثم عدم توفر العدة اللازمة لخوض غمار هذا المجال، وهو الالتزام بضوابط المنهجية اللازمة لذلك. وربما يزيد من حماس هؤلاء المنكرين والمعارضين، أيضاً، ما يسقط فيه بعض المتصدرين للحديث في الإعجاز العلمي للقرآن والسنة من سقطات خطيرة يخطبون بها ود أولئك المعارضين العلمانيين، حتى وصل السقوط بأحدهم إلى الموافقة على شطب عدد من الأحاديث النبوية الواردة في أصح كتب الصحاح ، وهو صحيح البخاري، لأنها في زعمهم تعارض ما توفر لديهم من معلومات حالية ، وهى بالطبع معلومات ضحلة000 ومن المعلوم أنه إذا أراد شخص هدم بناية، فعليه بأعظم أعمدتها ليبدأ به. فإذا لم يقم بالــهدم فعــلاً، فعلــيه جــرم التمهيد له، أو الإعانة عليه، أو السكوت على محاولات النيل منه . أما المعارضون لاتجاه استعمال نتائج الكشوف العلمية والبحوث والتجريبية في تفسير أو تفهم الآيات الكونيــــة الواردة بالقــــرآن، فإنهــم ـ بفضــل الله ـ ليسـوا بالكثرة الــتي ينتشر بها العلماء المؤيدون، ونحن هنا نورد آراء أهم زعماء المعارضين، ثم نفندها، فيما يلي من فقرات: أبو إسحاق الشاطبي: يمــثل هــذا التــيار علمــاء قــدامى وعلماء محدثون، ولعل الشاطبي ( صاحب " الموافقات " ) يعتبر من أقدم المعارضين لهــذا الاتجاه في تفسير آيات القرآن، وقد بســــط القول في إنـــكاره، والرد على القائلين به. ويقـول أبـو إسحـاق الشاطبــي ( المتوفـى سنة 790 هــ ) في كتابه " الموافقات في أصول الشريعة ": إن كثيرا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحد، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين: من علوم التطبيقات و التعاليم ( أي الرياضيات و الهندسة و غيرهما )، و المنطق وعلم الحـــروف، وجميع ما نظر فيه الناظرون من أهل الفنون، وأشباهها، وهذا إذا عرضناه على ما تقــدم ( أي: تم ذكره في كتاب "الموافقات" ) لم يصح... ثم يضيف الشاطبي إلى هذا ما ينفى به حق القائلين بالتفسير العلمي، فيقول: وإضافة إلى هذا، فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف الناس بالقرآن، وبعلومه، وما أودع فـــيه. ولم يبلغنا أنه تكلم أحدهم في شئ من هذا المدعى... سوى ما ثبت فيه من أحكام التكاليف وأحكام الآخرة، وما يلي ذلك. ولو كان لهم في ذلك خوض ونظر لبلغنا منه ما يدلنا على أصل المسألة، إلا أن ذلك لم يكن، فدل على أنه غير موجـــود عندهم، وذلك دليل أن القرآن لم يقصد فيه تقــــرير لشي مما زعموا... ثــم عـــرض الشاطبي لأدلة الداعين إلى " التفسـير العلمـي " وأخذ يدحضها مركزا على مستندهم ويتمثل في الآيتين: ( وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ{81} ) [سورة النحل] , وقوله : (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطــْنَا فِي الكِتَابِ مِن شـــــَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشــــَرُون (38))َ [سورة الأنعام] 0 وقال بأن المقصود بالتبيان هنا هو إظهار أحكام التكاليف، والتعبيد، وأحكام الآخرة، وما يتعلق بأصول الهداية، وليس بصدد العلوم الكونية. وفي الآية الثانية قال بأن الكتاب المقصود هنا هو " اللوح المحفوظ "، ولم يقل كما يقولون بأنه القرآن الكريم..... ومما يذكر أن الشاطبى هذا من علماء القرن الهجري الثامن، الذي ظهر فيه الزملكاني صاحب كتاب " التبيان في إعجاز القرآن "، وابن تيميه صاحب كتاب في الإعجاز هو "جواب أهل العــــــلم و الإيمــــان "، والخطــــــيب القزويني صاحب كتاب " التلخيـص لمفتاح الســـكاكي "، ويحي بن حمزة العلوي، والأصبهاني، وابن قيم الجوزية، وابن كثير، والزركشي... وهو إلى جانب ما أورده في كتابه "الموافقات " جعل الاستعانة على فهم القرآن الكريم مقصورة على العرب خاصة , وليس إلى غيرهم، على الرغم من أن العرب أصبحوا الآن أقلية وسط المليار والنصف مسلم المنتشرين في أرجاء العالم.00وكان مما قاله ( ونقله عنه الدكتور / أحمد العمري (2) ): ( إن هذه الشريعة أمية لأمة أمية ) . ويعقب العمري على هذه المقولة بقوله: جعل الشاطبي هذا القول قاعدة , دخل منها إلى أن الشريعة جارية على مذاهب العرب , وبنى على ذلك أن كثيرا من الناس قد تجاوزوا في الدعوة على القرآن , فأضـافوا إليه كل علم من العلوم , على النحو الذي ذكرناه في نص قول الشاطبي في الفقرات السابقة. ثم إن صاحب " القرآن يتحدى " (3) يرد على الشاطبي مقولته ( إن هذه الشريعة أمية لأمة أمية ) من وجوه: 1) إن إطلاق ( الأمية ) على الشريعة مجازفة لا تستند إلى أي دليل، خاصة وأن الكلام وإنما يدور حول العلوم المندرجة في القرآن الكريم، ومن البداهة أن علوم القرآن لا تدخل تحت حصر، لأنه كلام الله تعالى، و الحصر من صفاتنا لا من صفات القرآن. 2) إن أحدا لم يدع استنباط جزئيات العلوم الـــكونية من القرآن، مثل الرياضيـات والفلك، وإلا لكان القرآن في مادته لا يخرج عن مادة أي كــتاب من تأليف البشر. بل إن المناقشة تدور حول موضوع آخر غير هذا، وهو أن التبحر في العلوم الكونية يكشف لنا عن وجوه الإعجاز ما لم نكن نعرفه في عصرنا. 3) إن كان بعض الذين طبقوا هذا المنهج قد جانبهم الصواب، فإن هذا يحدث لكل من يعالج قضية من القضايا، أو المسألة من المسائل العلمية التي تقبل النقاش، فالعيب ليس في المنهج، وإنما العيب فيمن تصدوا لتطبيقه , ولا أهمية عندهم لذلك. 4) الاعتراض علي من قال: إنه يستنبط العلوم من القرآن الكريم ليس بحجة، ولا تحجير على فضل الله تعالى، ولا يوجد اثنان من العلماء يتساويان في فهم كتاب الله عز وجل. ومن قبل هذا فلقد انبرى محمد الطاهر بن عاشور (4) ( وهو من المفسرين التونسيين المعاصرين ) في تفسيره " التحرير والتنوير " إلى تفنيد مقولة الشاطبي بأن الشريعة أمية لأمة أمية، فقال: إن هذه المقولة واهية لوجوه ستة: 1) إن ما بناه عليه، يقتضي أن القرآن لم يقصد منه انتقال العرب من حال إلى حال، وهــذا باطل , بقول الله تبارك وتعالى: ( تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِين ) 49[ سورة هود]. فهذا تصريح بأن القرآن يحتوى كثيرا من الحقائق التي يجهلها قومه، والتي هى من قبيل أنباء الغيب والمعجزات. 2) إن مقاصد القرآن راجعة إلى عموم الدعوة، وهو معجزة باقية، فلابد أن يكون فيه ما يصلح لأن تتناوله أفهام من يأتي من الناس في عصور انتشار العلوم في الأمة. 3) إن السلف قالـوا: إن القـرآن لا تنقضـي عجائبــه، يـعنون معانيـه، ولـو كـان كمـا قـال الشاطبي لانقضت عجائبه، بانحصار أنواع معانيه. 4) إن في تمام إعجازه أن يتضمن من المعاني ـ مع إيجاز لفظه ـ ما لم تف به الأسفار المتكاثرة. 5) إن مقـدار أفهام المخاطبيـن به ابتداء لا تقتضي إلا أن يكون المعنى الأصلي مفهوما لديهم، فأما ما زاد عن المعاني الأساسية فقد يتهيأ لفهمه أقوام، وتحجب عنه أقوام... ولنطــالع الآن رأى الــداعية الشيخ محمد الغزالي بخصوص مقولة الإمام الشاطبي ( إن هذه الشريعة أمية لأمة أمية )، يقول الشيخ محمد الغزالي (رحمه الله ) (5) : هناك قضية مهمة وردت فيما سبق، وهى: قضية أمية الأمة، وأمية الشريعة، التي أتى الشـاطبي علـى ذكـرهـا... وهى قضية خطيرة، إذا أخذناها على إطلاقها فإنها تؤدى إلــى محاصرة العقل... فهل يعقل أن تكون هذه " الأمية " خالدة ؟ أم أنها مرحلة مؤقتة، كان العرب عليها، ومن ثم انتهت وأصبحــت الأمة تكتب و تحسب ؟ وأرى أن الأمة، في مرحلة من حياتها، قد تكون أمية لا تقرأ، ولا تكتب, ولا تحسب، ثم يتغير حالها إلى مرحلة أخرى، فتصبح أمة عالمة قارئة... فهل يمكن أن تبقى الأمـــــة متوقفة على الوسائل الأمية في النظـــر والحكم و العلم ؟. الأمة اليوم أصبحت تقرأ وتكتب و تحسب... فالتقرير على أن الأمية صفة قسرية أو ملازمة للأمة , وأن الأحكام يجب أن تبقى مناسبة لمرحلة الأمية، أظن أنه أمر يتعارض مع طبيعية الحياة , وصيرورتها كما يتعارض مع خلود الرسالة وقدرتها على الاستجابة لدواعي العصر. وأمر الإصرار من العلماء على " الأمية " عجيب , وهو ما أدى إلى التعسف و التوقف عـــــند بعض المفهومات وعدم تجـــــــاوزها... ( إنا أمة أمية لا تكتب ولا تحسب ) (6).00 لكن هل هذا يعنى أن تبقى الأمة أبداً لا تقرأ، ولا تكتب، ولا تحسب، وهل هذا يعنى أيضاً أن نبقى بعيداً عن الكسب العلمي ؟ وكانت أول أية نزلت تفرض التعلم و التحول إلى القراءة و الكتابة ؟. والســؤال أيضاً: بعد نزول القرآن: هل تبقى الأمة أمية ؟ لقد كانت أمة أمية، ثم جاء هذا العلم المزدوج المضاعف الكثير في كتاب الله، فكيف تبقى أمية بعده ؟ هذا مستحيل... والسـؤال هـو: هل كلمة " أمية " التي وردت في الحديث نسبة للجهل أو للأمة ؟ فاليهــــود يــرون أن " النبي أمي "، تعني: النبي المبعوث من غيرهم، أو من بقية العالم... ويخيل أن المقصود " بالنبـي الأمي ": النبي صلى الله عليه وسلم الذي خرج بعيداً عن الدائرة التي كان يؤخذ منها الأنبياء، وهى إسرائيل ، وإن كان هناك أنبياء عرب: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ (120))[سورة البقرة]. ولما سأل الرسول صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب (7) عن أفضل آية عنده، قال: آية الكرسي, قال له: " ليهنك العلم أبا المنذر " (8). ويقول تبارك وتعالى: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83)) [ســـــــــــورة النساء]. فالعلم هو صفة القرآن... وصفة المشتغلين به , فكيف يقال: إن الأمة أمية مع القرآن ؟. هذا مستحيل. والقرآن نفسه وجه لاقتحام أسوار الحياة و التغلغل في أسرارها، ومجـــال العلم الإلهي فـــيها والحكمة الإلهية فيها. فكيف يقال: إن الرسالة أمية ؟. ألا يمكــن أن يكـــون هناك أفق آخر للقضية ؟ وهو أن التكاليف والعبادات وما إلى ذلك، يمكن أن تكون لها صفة العموم، وتشمل الناس جميعاً بمختلف مستوياتهم الفكرية و العلمـــية، والــرسالة مــيسرة لكــل بحسب كسبه. كأني ألمح في بعض الوجوه أن التعاليم الإسلامية , كالأمر بالصـلاة والصوم... وغيرهما , لا تستدعى سوية معينة من الكسب العلمي , حتى يستطيع الإنسان أن يدركها , وإلا كيف يمكن أن نخرج ذلك من الأمة الأمية ؟. وتعقيباً على ما ذهب إليه الشاطبى , أقول: إن العرب إذا كانوا في ذلك العصر أمة أمية , فالأمية لا يمكن استمرارها.. هذا شئ. والشيئ الآخر: إن الخطاب ليس للعرب ولكنه للناس جميعا ـ المتعلم وغيره ـ كما أنه ليس لزمان واحد فقط. كان العرب أمة أمية... وكان الفرس والرومان هم المثقفون...وعندما أنظر إلى الفرس والروم أجد أنه كانت لديهم جهالات ربما لم تكن موجودة عند العرب. وربما أن العرب أحسن أخلاقاً من الروم و الفرس، في جــاهليتهم تلك: ( وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ (124) ) [ سـورة الأنعـام]. قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إنا أمة أمية )، أي تجهل الكتابة و الحساب في عصر معين لا يقتضي أن تبقى أمية دائما، و القرآن خطاب خالد مجرد من حدوث الزمان والمكان. لا أدرى: ما مدى صحة حديث: ( نحن أمة أمية لا تقرأ ولا تحسب ) ؟. الحديث موجود في كتب الحديث... الكلام لا يزال للشيخ/ محمد الغــزالي ـ رحمه الله... لكن لست خبيراً بالرجال , ولابد من التحقيق في الموضوع , والجمع بين الآثار، لكن هناك رأي لابد أن أذكره من باب الأمانة، وهو أن محمد أحمد عثمان , رئيس جمعية مكارم الأخلاق , ووكيل الجمعية الشرعية في مصر , ذكر حديث السحر، وقال: الحديث سنده فيه كلام... ووضح أن فلانا عن أبيه ضعيف... أي أنه ضعف السند الذي روى به البخاري حديث السحر، فارتبت فيما يقوله الرجل من ناحية الإسناد , حتى وقع هذه الســـنة كتاب في يدي لجماعـــة من المغاربة يكتبون في الســنة، وهم متخصصون في الكتاب والســـنة , وهم جمـــــــاعة الغماري ( أحمد وصديق الغماري) فوجدت بحثا في الأسانيد استوقفني: الحارث الأعور متهم عندنا بالتشيع , ونعتبره ضعيفا ولا نقبل حديثه... وكان من بعض من طعن فيهم الأعمش (9)، والأعمش كذاب، وطعن فيه , لأن الأعمش كان يعمل لحساب بني أمية , وكان الحارث ممن يفضلون عليا , لكنه لم يكن متشيعاً , وكان من الصدق حتى أنه لم يكن يتحدث أحد بأنه كان كذابا.. وتكلم الكتاب عن الحارث وقال: إنه أفضل من عدد من رواة البخاري، الأعور ما اتهم بوضع , ولا اتهم بكذا أو كذا، وجاء بأســـــماء: فلان عن فــــلان , وفـــلان متهم بأنه كذب ووضع، وفلان كذا...إلخ ويواصل أستاذ الدعاة – رحمه الله - كلامه قائلا: اندهشت مما جاء في هذا الكتاب... واستبقيت الأمـــر في نفسي إلى أن قابلت الشيخ عبد الفتاح أبو غدة , وهو من علماء الحديث , قلت له: أريد أن أعرف منك حكاية قرأتها , وأنا بحاجة لأن أعرفها... الذهبي (10) عندما مرّ بحديـث : ( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ) (11) , قال: لولا جلالة الملك الحافظ أبي عبد الله البخـاري (12) , النفس فيهـا شئ من هذا الحديث , لكنى لا أكذبه... فالذهبي لا يريد أن يقول: إن في الحديث كلاما , لكن هناك من قال: إن في رواة البخـاري كـلاما، ذكـرت لـه فـلانا وفلانا. ونفس الأسماء التي وردت في كتاب المغاربــة.. فسكت الشيخ عيد الفتاح أبو غدّة قليلا ثم قال: هذه الأسماء أثيرت حولها شكوك لكن تجاوزوها وليس لها قيمة... قلت له: لماذا، إذا كان هناك شخص متهم بالوضع ؟! وفي رأيي أن الكلام في بعض رجال الصحيحين له أصل , والذين رفضوا بعض أحاديث عند البخاري أو عند مسلم (13) لهم عذرهم.0 فكل القراء تقريبا وكل المصاحف تقول: إن المعوذتين سورتان مكيتان , في حين أن كلام البخاري يفيد أن المعوذتين مدنيتان , ومن آخر ما نزل... ففكرة أمية الأمة , وأمية الشريعة , والإصرار على بقاء المرحلة البدوية واستمرارها مرفوض.00 فأمة تستقبل القرآن لابد أن تكون أميتها قد زالت بهذا القرآن نفسه...فإذا كان القرآن يدل على مصادر معرفة في أساس المنطق الحديث , وأساس حضارة أوربا , فكيف تكون الأمة أمية ؟ هذا أمر مستبعد. القرآن لم ينزل على العرب وحدهم، ولم ينزل لفترة معينة , وإنما هو خالد عبر الزمن، فكيف يمكن أن ينتفع أصحاب الكسب العلمي والمعارف العلمية في المستقبل إذا أعتبر خطابا أميا للأميين ؟ والأمر العجيب: فالشاطبي , على الرغم من قدراته العقلية في تحديد مقاصد الشريعة , قد قال بهذا.00!! محمد الذهبي: الدكتـــور / محـمد حســين الذهبــي – رحمه الله - هـو الآخر من رواد التيار المناوئ لنزعة ما يسمى " التفسير العلمي" للآيات الكونية الواردة بالقرآن الكريم. ولكنه يعرف هذا التفسير بأنه العمل الذي يحكم الاصطلاحات العلمية في عبارات القرآن , ويجتهد في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية منها... وهناك عدد من الجوانب التي رد بها الذهبي دعوة القائلين بالتفسير العلمي , ســـاقها الدكتور / سعاد يلدرم (14) في بحث له بالمؤتمر العالمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن الكريم و السنة النبوية المنعقد بإسـلام أبـاد ( باكستـان ) 1408 هـ ( 1987م )، وهـى آراء بثهـا الذهبـي في كتابه ( التفسير والمفسرون ) , وموجز هذه النقول: (1) الناحية اللغوية: تغيرت ألفاظ قرآنية وتوسعت دلالاتها على مر الزمان. وتعددت معاني اللفظ الواحد , فبعضها عرفته العرب وقت نزول القرآن , وبعضها لا علم للعرب به وقت نزول القرآن... فهــل يعقل أن نتوسع في فهم ألفاظ القرآن توسعا يجعلها تدل علي معان جدت باصطلاح حادث ؟ (2) الناحية البلاغية: وموجز القول فيها أن الذهبي توصل إلى ضرر البلاغة القرآنية من جهة التغير العلمي للقرآن، وحجته هى الذين خاطبهم الله بهذا القرآن وقت نزوله إذ كانوا يجهلون هذه المعاني، رغم أن الله يريدها من خطابه إياهم , لزم أن يكون القرآن غير بليغ , لأنه لم يراع حال المخاطب ؟ وإن كانت العرب تعرف هذه المعاني وقت نزول القرآن بين ظهرانيهم , فلم لم تظهر نهضة العرب العلمية منذ نزل القرآن ؟ (3) الناحية الاعتقادية: وتتخلص في أن قواعد العلم ونظرياته لا قرار لها ولا بقاء , فإذا ذهبنا إلى تقصيد القرآن مـــا لــم يقصـد إلــيه مــن نظريــات ثــــم ظهر بطلانها، فلسوف يتزعزع اعتقاد المسلمين في القرآن... هذا , وإن كان الدكتور الذهبي قد شدد على المسرفين في التفسير العلمي للقرآن , إلا أنه بدا غير معترض على هذا الاتجاه في حد ذاته , لأنه قال في أواخر ما كتب: وحسبهم أن لا يكون في القرآن نص صريح، يصادم حقيقة علمية ثابتة , وحسب القرآن أنه يمكن التوفيق بينه وبين ما جـــد ويجــد من نظريات وقوانين علمية، تقوم على أساس من الحق وتستند إلى أصل من الصحة. محمد رشيد رضا: علـــى الرغــم مـــن أن بــعض الباحثين اعتبر الشيخ محمد رشيد رضا – رحمه الله -ممن أجازوا لغة " التفسير العلمي للقرآن " (15) , إلا أننا طالعنا ما أوضح لنا أنه من المعارضين لهذا الاتجاه (16) , باعتباره صارفا عن القرآن وهديه وتشريعه , وينبغي على الذين سلكوا هذا المسلك الذي يخرج بالتفسير عن وظيفته , ويعمد إلى تأويل القرآن على غير تأويله , كالرازي في تفسيره , ومن تأثر بخطاه، أن يعيدوا النظر في ذلك. وقد عرض محمد رشيد رضا آراءه هذه في مقدمة ( تفسير المنار ) المشهور. أمين الخولي ( ومن بعده زوجته عائشة عبد الرحمن ): استند أميــن الخولـي – رحمه الله - إلـى رأي " الشاطبـي " فـي رفض التفسيـر العلمـي وأضـاف إلى ذلــك رأيه وأدلته، وقال: ( هبْ هذه المعاني العلمية المدعاة كانت هى المعاني المرادة بالقرآن، فهل فهمها أهل العربية منه إذ ذاك وأدركوها ؟ وهل هو كتاب يتحدث إلى عقول الناس وقواهم العالمة عن مشكلات الكون وحقائق الوجود العلمية... وكيف يساير ذلك حياتهم ؟ وكيف تؤخذ جوامع الطب والفلك والهندسة والكيمياء من القرآن. وهى جوامد لا يضبطها اليوم أحد إلا بغير ضبط لها بعد يسير من زمن أو كثير ؟ أما ما اتجهت إليه النوايا الطبية من جعل الارتباط بين كتاب الدين والحقائق العلمية المختلفة ناحية من نواحي بيان صدقه أو إعجازه أو صلاحيته للبقاء... إلخ، فربما كان ضرره أكثر من نفعه. ثـــم يخفــف مــن اعتراضه بمـــا يشبه الموافقة فيقول: ( قد يبدو في تعبير القرآن ما يظهر متعارضاً مع شئ من المقررات العلمية، وإن أمكن التوفيق بينهما بأس بشيء من هذا، ولا فيه ضرر ). محمد المراغي: الشيـخ محمـد مصطفـى المراغـي – رحمه الله ( شيـخ الأزهـر الأسبـق المتوفـى سنـة 1364هـ ) يقول: يجب ألا نجرّ الآية إلى العلوم كي نفســرها، ولا العلـــوم إلى الآية , ولكن إن اتفق ظاهر الآية مع حقيقة علمية ثابتة فسرناها بها. وحينما ألف الدكتور/ عبد العزيز إسماعيل كتاب ( الإسلام و الطب الحديث )، عرضه على الشيخ المراغي , فأثنى الشيخ في مقدمته على المؤلف وحمد له جهوده , ولكنه لم يوافقه على مسلكه في تحميل الآيات القرآنية ما لا تتحمله , فقال: لست أريد من هذا ـ يعنى ثناه على الكتاب ومؤلفه ـ أن أقول إن الكتـاب الكريم ( أي: القرآن) اشتمل على جميع العلوم جملة وتفصيلاً بالأسلوب التعليمي المعروف , وإنما أريد أن أقول: إنه أتى بأصول عامة لكل ما يهم الإنسان معرفته به , ليبلغ درجة الكمال جسدا وروحا , وترك الباب مفتوحا لأهل الذكر من المشتغلين بالعلوم المختلفة ليبينوا جزئياتها، بقدر ما أوتى منها في الزمان الذي هم عائشـون فيه (17). محمود شلتوت ( شيخ الأزهر الأسبق ) : يقول – رحمه الله - عن القائمين بالتفسير العلمي: إنهم طائفة المثقفين الذين أخذوا بطرف من العلوم الحديثة ثم نظروا في القرآن وتأولوا على نحو زين لهم أن يفتحوا في القرآن فتحاً جديداً، فأفسد ذلك عليهم أمر علاقتهم بالقرآن... هذه النظرة إلى القرآن خاطئة من غير شك، لأن الله لم ينزل القرآن الكريم ليكون كتاباً يتحــدث فيـه إلـى النـاس عـن نظريـات العلـوم ودقائق الفنون وأنواع المعارف. وهى خاطئـة ـ مـن غيـر شـك ـ لأنهـا تحمـل أصحابها على تأويل القرآن الكريم تأويلاً متكلفا يتنافى مع الإعجاز، ولا يسيغه الذوق السليم..!! عاطف العراقي: الدكتور/ عاطف العراقي (أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة)، كنا من قبل نراه يكتب صنو اسمه ( أستاذ الفلسفة الإسلامية )، لكنه منذ سنوات يكتفي بذكر هاتين الكلمتين: ( أستاذ الفلسفة ) !! وهو من أشــــهر الذين تأثروا بفكر الأب / جورج قنواتي، في مصر، وهو الذي احتضن الدكتور العراقي وساعده كثيراً... تحدث الدكتور/ العراقي في ندوة ( الدين بين العلم والفلسفة ) التي نظمها نادي العلوم جامعة القاهرة، ونقلتها جريدة "عقيدتي" المصرية (18)، فجاء إلى الدراسات العلمية للآيات الكونية الواردة بالقرآن، وقال ما نصه: استخلاص النظريات العلمية من الآيات القرآنية خطأ كبير يسئ للدين ويضره أكثر مما يفيده، فقد لاحظنا في السنوات الأخيرة من دأب على الربط بين النظريات العلمية التي قد تتغير بمرور الزمن وقد يثبت خطؤها في حين أن القرآن ثابــت، وقـــد وجــدنا مــن قـــال إن معظـــم النظـــريات العلمــية الحديثة من الجاذبية والإلكترونات وغيرها قد وردت في القرآن منذ أربعة عشر قرناً... وقد أشار الشيخ/ محمد عبده، والكواكبي، والشيخ بخيت، وغيرهم، إلى ذلك وساقوا أدلة خاطئة لإمكان استخلاص نظريات علمية من القرآن، الأمر الذي جعل الدكتور/ طه حسين يهاجمهم في كتابه " من بعيد " بتفنيد حججهم والتهكم عليها بقوله: يبدو أنهم يسرفون في أكل الفول والعدس الذي ينصرف إلى أدمغتهم فيؤدي إلى تصرفات فاسدة في ظل التغير العلمي يوما بعد يوم، وخاصة إذا جاء أناس وقالوا بتأييد القرآن لنظرية علمية ثم جاء عالم آخر غــــداً وأثبت خطأها، فماذا يكون موقف العلماء الذين فسروا العلم بالقرآن؟ أمـا التهكـم الـذي صـدر عـن الـدكتـور/ طه حسين فما كان يليق برجل مثله، ولكنه، وقد وصــل إلى هذا المستوى، فإننا ننصح بالتعرّف على أبعاد أفكاره، وكيف أساء إلى الإســـلام، وذلـك مــن خــلال العـــديد مـن المقــالات التحليــلية النقــدية للأستاذ/ أنور الجندي ـ رحمه الله ـ في بابه الثابت بمجلة منار الإسلام الظبيانية ( مؤلفات في الميزان )، وقد جمعت المجلة هذه المقالات في كتاب أصدرته بنفس عنوان الباب: " مؤلفات في الميزان ". عباس محمود العقاد: يعارض عباس العقاد – رحمه الله - الربط بين القرآن والعلوم، ويقول: فلا يطلب من كتب العقيدة أن تطابق مسائل العلوم كلما ظهرت مسألة منها لجيل من أجيال البشر، ولا يطلب من معتنقيها أن يستخرجوا من كتبهم تفصيلات تلك العلوم كما تعرض عليهم في معامل التجربة والدراسة . ويقول: لا بأس من الاستفادة من النظريات العلمية في تصحيح معاني الكلمات القرآنية دون إقحامها على القرآن أو الذهاب إلى أنه مطالب بموافقتها كلما تغيرت . عبد الكريم الخطيب: وممن يهزأ بنزعة " التفسير العلمي " للقرآن الكريم : عبد الكــريم الخطيب – رحمه الله - الـذي قـال فـي تحقيق صحافي (19): إنه نوع من التهريج والادعاء ( !! ) , يقوم به أصحابه فيلصـــقون بالقــرآن أشياــء أشـــد مــا تكـون بعدا عنـه. ويضـرب مثـالا بـالآية القرآنيـة: ( وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون َ(47) ) [ سـورة الذاريـات] , فيقول: إن أصحاب هذا التفسير يتحدثون عـــــن التمــــدد والتزايد في الأكوان , فمن أين جاءوا بهذا ؟... ويــأتي بمثال آخر هو الآية: (أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41) ) [ سـورة الرعـد ] , وقد قال هؤلاء عن ذلك بتآكل الشواطئ البحرية000 ويؤكد الخطيب أن العلم متغير لا يثبت على حال , حيث تنقض النظريات القائمة بنظريات القائمة بنظريات حديثة.00 هذا , وبالرغم من عرضنا لهذه الأسماء من علماء اللغة والبيان والفلسفة، الذين عارضوا دراسة وبحث الإشارات الكونية الواردة بالقرآن الكريم، فإن الذي يؤيدونها جمع كبير من علماء الإسلام وأعلامه، وقد أوردنا أبرزهم في كتاب لنا منذ ثلاثة عشر عاما (20)... ونستطيـع أن نلخص آراء المعارضين لاتجاه " التفسير العلمي"، أو الإعجاز العلمي، للقرآن الكريم في النقاط الآتية: 1) إن القرآن نزل ليفهمه العرب في الصدر الأول من الإسلام , وإن علينا ـ معاشر المسلمين ـ أن نحذو حذوهم فيما فهموه من آياته البينات بحسب مدلولات ألفاظه المفهومة , لأنهم عرب أدرى بلغتهم , وأقدر على فهم معاني كلماتها منا. لمـا كـانت البـلاغة هـى المطابقـة لمقتضـى الحـال , فـإن التفسيـر العلمـي للقـرآن يضـر ببلاغة القرآن , لأن من خوطبوا بالقرآن في وقت نزوله , إن كانوا يجهلون هذه المعانـي , وكان الله يريدها من خطابه إياهم , لزم على ذلك أن يكون القرآن غير بليغ , لأنه لم يراع حال المخاطب !! و إن كانوا يعرفون هذه المعاني فلم لم تظهر نهضة العرب العلمية من ليلة نزول القرآن الذي حوى علوم الأولين والآخرين ؟ (21). 2) إن القـرآن الكـريم لا شـأن لـه بـالعلـوم الطبيعيـة , فهـو لم ينزل ليحدث الناس عن نظريات العلوم , ودقائق الفنون , وأنواع المعارف , وإنما هو كتاب أنزل للنـاس للإرشـاد والهداية وبيان التكاليف وأحكام الآخرة. إن هناك دليلا واضحا من القرآن على أن القرآن ليس كتابا يريد الله به شرح حقائق الكون , وهذا الـدليل هو ما روى عن معاذ أنه قال: يا رسول الله: إن اليهود تسألنا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة , فما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يستوي ويستدير , ثم ينقص حتى يعود كما كان ؟. فأنزل الله هـذه الآيــة: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنـــــَّاسِ وَالْحَجِّ... (189) ) [سورة البقرة] (22). 3) إن " التفسير العلمي " للقــــرآن يعــرض القرآن للدوران مع مسائل العلوم في كل زمان ومكان. و الكشوف العلمية و البحوث الكونية ما هى لا فروض ونظريات , يعتقد رجال العلوم فترة من الزمان في صحتها ثم لا يلبثون بأنفسهم أن يبطلوها. ومن ثم فلا يجوز للمسلم الغيور على قدسية القرآن أن يقحم آياته في أشياء ومعارف تتغير وتتبدل , حتى أننا نرى ما كان حقيقيا بالأمس يصبح خطأ اليوم , وما هو حقيقي اليوم قد يصبح خطأ غدا.00 فكيف نستخدم علوما هذا شأنها في تفسير آيات خالدة باقية لا يتطرق أدنى تغير أو تبديل ؟!. إننا إذا ذهبنا إلى تقصيد القرآن ما لم يقصد من نظريات , ثم ظهر بطلان هذه النظريات , فسوف يتزلزل اعتقاد المسلمين في القرآن الكريم , لأنه لا يجوز للقرآن أن يكذب اليوم ما صححه بالأمس (23). هكذا يتضح لنا أن المانعين أو المنكرين لظاهرة ( التفسير ) العلمي لآيات القرآن ذات الإشارات الكونية , يكتفون بالوقوف عند المعاني الظاهرة فقط لهذه الإشارات دون الدخول في ما يتضمنه هذه الإشارات أو تدل عليه من سبق علمي أو بيان لحقيقة علمية لم يتوصل العلم إليها إلا حديثا , بل يرون هذا العمل صارفا عن الغاية الرئيسة للقرآن , وهى: هداية الإنسان وإصلاح حاله !. هذا إضافة إلى أن المعارضين لبحث الإشارات العلمية في القرآن الكريم في أيامنا الحالية وجدناهم – بعد التحرّي والتقصّي – من الجهلة أو من العلمانيين العرب، أو ممن يغتاظون من بيان كنوز هذا الكتاب العظيم...!! وحجج المعاصرين لا تخرج بأي حال عن حجج من سبقهم، ولذلك نقدم للجميع بيانا بضعف حججهم، ولنتفرغ الآن لدحض حجج المانعين للتفسير العلمي للقرآن , أو المعارضين لبيان أوجه الإعجاز العلمي فيه , كما يلي: دحض الحُجّــــة الأولى: في دحض هذه الحجة يجب أولا أن نوضّح أمورا: الأمـر الأول: إن القرآن الكريم نزل للبشرية حتى يوم القيامة على اختلاف ثقافات عصورها وتنوع علوم أهلها , وهو إذ يخاطب العقول على اختلاف المواهب والثقافة والتدبر والتفكير , وكل عقل يأخذ منه ما يطيقه وما ينتفع به , فإذا عجزت بعض العقول عن إدراك بعض المعاني لآيات القرآن وجب علينا أن نستعين بكبار العلمـاء و البـاحثين , فـإن الله تبارك وتعالى يقـول: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْـــلَمُونَ (43))[ سورة النحل ]... وكـــم استنبط العلمـــاء والفقهـــاء والبـــاحثون من آيات القرآن الكريم معاني وأحكام لم يعرفها السابقون , ذلك أن القرآن كما عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( حبل الله المتين , وهو الذكر الحكيم , وهو الصراط المستقيم , وهو الذي لا تزيغ به الأهواء , ولا تلتبس به الألسنة , ولا يشبع منه العلمـاء , ولا يخلـق على كثرة الرد ـ أي التلاوة ـ و لا تنقضي عجائبه ). فالدارس للقرآن الكريم يأخذ منه بمقدار موهبته الفكرية وإيمانه القوى , وثقافته العلمية , ومعارف العديدة , وتفكيره العميق ... وكلما نما العقل البشرى , واتسعت مـداركه , وتنـوعت ثقافته , وتعددت تجاربه , وغزرت معارفه... أدرك من القرآن الكريم ما لم يدركه سواه. الأمـر الثاني: إن القرآن الكريم من أوجه إعجازه إعطاؤه معاني متعددة للعبارة الواحدة الواردة فيه: أ- وأكثر من هذا فإننا نجد أحيانا عبارة واحدة تعطينا معنى خاصا , وفي الوقت نفسه تعطينا مــا يبدو مضادا لهذا المعنى. ومثال ذلك قول الله تبارك وتعالى: ( وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) ) [ سورة يسٍِ ]... فالمعنى الأول المفهوم من الآية الكريمة أن الله خلــق لنـا الثمـر لنـأكل منـه وهـو الذي صنعه ولم يصنعه بشر , أي إن " ما " في: ( وما عملته أيديهم ) نافية لفعل البشر في الصنع و الخلق , لكن للآية معنى آخر غيـر المعنـى الأول وهو: أن الله خلق الثمرات لنأكل منها طازجة , ولنأكل مما صنعته أيدينا من هذه الثمرات , بالطهي أو العصير أو التمليح أو التجفيف أو التقديد , أي إن " ما " ـ التي أشرنا إليها سابقا ـ هنا موصـولة وليسـت للنفـي. وأصبـح للآيـة معنيـان , وربمـا لهـا أكثر , وكل منهما صحيح , وعطاء الله لا ينفد... ب- وهناك آيات عديدة تعطينا معاني عديدة , يظهر بعضها في زمن , ويظهر بعض ما فيها في أزمان متوالية , تبعا لازدياد فنون الثقافة والكشوف العلمية المتوالية , و على العلماء المسلمين المعاصـرين إيضاح هذه المعاني حسب ما لديهم من علوم ومعارف حديثة تخدم مفاهيم هذه الآيات. الأمـر الثالث: حينما نستخدم العلوم الكونية والمعارف الطبيعية في تجلية آيات قرآنية وبيان أوجه العظمة ونقاط الإعجاز فيها , إنما نفعل كما يفعل اللغويون وأصحاب البيان , فاستخدام علوم اللغة العربية في بيان أوجه الإعجاز القرآني لم يكن موجودا في عصر النبوة , وقد ظهرت في عصور متأخرة , و العلماء قاطبة يجمعون على استخدامها في بيان أوجه الإعجاز في القرآن , فلماذا نجيز لهؤلاء استخدام علومهم، ونحرم على علماء الكونيات والطبيـــــعيات أن يسخروا علومهم في تجلية جوانب الإعجاز العلمي للآيات الكونية في القرآن ؟!!. وفيما يلي أمثلة قليلة نسوقها لنوضح بها أن العلوم الكونية والمعارف الطبيعية لا تقل أهمية عن علوم اللغة العربية ( التي لم يعترض أحد على استخدامها لبيان أوجه الإعجاز القرآني ) في بيان وتجلية جوانب من إعجاز الآيات الكونية: * المثـال الأول: يقول الحق عز وجل: ( أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)) [سورة الغاشية ] , فهل الأمر الإلهي بالنظر إلى الإبل لمجرد مناسبتها لخطاب البدو والأعراب ؟ فإذا كان هذا صحيحا , فــــكذلك لا تزال الدارسات الحديثة تكشف عن معجزات إحيائية رائعة في ذلك إحيائية رائعة في ذلك المخــلوق الرائع , الذي نستطيع أن نثبت أنه خص بالذكر من بين ما لا يحصى من مخلوقات الله , نموذجا يتدبر في دراسته المتدبرون. هذا إضافة إلى أن النظـــر هنا ليس معناه نظر حدقة العين , وإنما النظر بمعنى التدبر والتبصر والدراسة والبحث، إذ النظر بحدقة العين يتساوى فيه الإنسان والحيوان... * المثـال الثاني: يقـــــول الحــق : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ... (3) ) [ ســورة المائدة ] , فليس من الصحيح المقنع أن علة التحريم في لحم الخنزير هى ما تناقلته بعض التفاسير من أشياء يسهل دحضها والرد عليها , ومنها الرائحة الكريهة , أو أن الخنزير يتغذى على الأقذار أو ما شابه هذه الأقوال الضعيفة... ولكن علينا ـ بعد إيماننا بتحريمه والامتثال للأمر الإلهي بالطاعة ـ أن نفهم ما أثبته العلماء المعاصرون من حقائق تقرر أن تحريمه لعلة مستقرة فيه , وليس لعلة عارضة عليه يحل لحمه بزوالها (24) . * المثـال الثالث: يقول الحق تبارك وتعالى: ( َلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ{16} وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ{17} وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ{18} لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ{19} فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ{20} وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ{21} بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ (22) ) [ سورة الانشقاق ] . فسر بعض المفسرين قوله تعالى: ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ )بالصعود الروحي من سمـاء إلى سمـاء , وفسرها آخرون بصعود رسول اللهصلى الله عليه وسلم إلى السماوات: سماء , تلو سماء في رحلة المعراج العظمية التي طوى فيها , هى ورحلة الإسراء , الزمان و المكان. هذا , وإن كان بعض التفاسير قد اقتنع به المسلمون في عصورهم السابقة , فان بعض التفاسير يشوبها الغموض فيما عرضته من شرح لهذه الآية , لذلك جاء نفر من العاملين في حقل الإعجاز العلمي للقرآن فأزال هذا الغموض في الفهم (25)... إذ يرى هـؤلاء أن الآيـات السابقـة على هذه الآية (الآية 19) تمهد لها , فالله يقسم ببعض ظواهر الكون الطبيعية التي خلقها بقدرته وأحكم فيها صنعته... فالشفق هو الوهج الأحمر الذي يتشتت من ضوء الشمس عقب غروبها أو قبل شروقها , والليل هو ظلام الفضاء الكوني وما يحتوى من أسـرار , والقمر إذا اتســــق تعني اكتمل وأصبـح بدرا... وجـــواب القسم هو ( لتركبن طبقا عن طبق) , أي: لتسافرن من مرحلة إلى مرحلة في عصر قادم , ولتصعدن من طبقة إلى طبقة في الجو ( تروبوسفيـر ـ أيونوسفيــر ـ إكسوسفيــر ): وتلك هى رحلة اختراق طبقات الجو إلى الأجرام السماوية المجاورة... فكان رائد الفضاء يخترق طبقة تلو الأخرى , وهو إخبار بمستقبل سيحدث في حياة الناس , وهو السفر عبر الفضاء واجتياز الأجواء. * المثـال الرابع: يقول الحق سبحانه وتعالى: ( وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) ) [ سورة الحجر] . يمكن طرح عدة مفاهيم لهذه الآية الكريمة , منها: إن الله يرسل الرياح حاملة المطر الذي ينزل في الأرض فيحيي مواتها , فينبت النبات والثمرات , حيث يشرح المفسرون معنى الريح اللاقح بأنها كل ريح تأتى بخير , وعــكسها الريح العقيم. ومن مفاهيم هذه الآية , أيضا , أن الرياح تحمل حبوب اللقاح ( غبار الطلع ) Pollen grains من أعضاء الذكور في النباتات إلى أعضاء الأنوثة في أفراد أخرى من هذه النباتات , فيتم الإخصاب , فتثمر النباتات الثمار التي نأكلها ونحيا بها. ومن مفاهيم الآية , أيضا , أن الرياح تحمل الحشرات , تلك التي تحمل حبوب اللقاح لتقوم بنفس العملية التي ذكرناها لنفس الغرض المذكور. ومــن مفاهيم الآية ,أيضا , أن الرياح تلقح التربة , أي تمدها بالعناصر اللازمة لخصوبتها , ومنها الأزوت الذي يوجد طبيعيا في الهواء مثلا. ومن المفاهيم الجديدة لهذه الآية، أيضا، ما أفاء الله به على الـدكتور/ محمد جمال الدين الفندي - رحمه الله (26) حيث يقول: تثير الرياح السحاب، أي تكونه وتدفعه حيث تدأب على إمداده وتغذيته ببخار الماء الذي تحمله وتجلبه معها من البحار والمحيطات. وكذلك تغذيه بجسيمات صغيرة تسمى ( نوى التكاثف ) : ووظيفة هذا ( النوى ) هى تجميع جزيئات بخار الماء في مناطق إثارة السحب لتكون قطرات صغيرة من الماء أو من بللورات الثلج. والفرق بين السحابة التي تمطر والسحابة التي لا تمطـر هـو: أن الأولـى لهـا مــدد مستمر من بخار الماء , ونوى التكاثف بواسطة الرياح أو الهواء الصاعد , أما الثانية فليس لها أي مدد. وينجم عن استمرار الرياح في ( تلقيح ) السحاب الذي تثيره ببخار المـاء ونـوى التكاثف نزول المطر. ومـن هنــا تكـون " الفـاء " فــي قولـه تبارك وتعالى: ( فأنزلنا ) هـى فـاء السببيــة , أي: نجم عن هذا التلقيح نزول المطر. أما قوله تبارك وتعالى: ( وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ), ففيه إشارة أخرى إلى معجزات أخاذة هى الدورة المائية بين السماء والأرض , حيث أن ماء المطر يعود مرة أخرى إلى المحيطات والبحار عن طريق الأنهار أو المياه الجوفية , وتعود الشمس فتبخر بعض مــاء المحيط و البحر لتعود الدورة من جديد , وهلم جرا... * المثـال الخامس: يقـــــول الحــــق تبارك وتعالى:( إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظ(4) ) [ســــــــورة الطارق]. فما هى مفاهيم الحفظ الذي يقيمه الله على كل نفس حماية لها ؟ إن من مفاهيمه أن الله يحفظنـــا مـن الأخطار المحدقة بنا لأنهتبارك وتعالى: (قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ{64}) [ ســورة يـوســــف ] , فهــــو يحفظــــنا دون أن نـــــــدرى مــــن إخطـــــار لا ندركها. ومن معاني هذا الحفظ أن الله سخر بعض ملائكته لتسجل علينا أقوالنا وأفعالنا , ليجازينا عنها بما نستحقه من جزاء , كما قال تعالى وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ{10} كِرَاماً كَاتِبِينَ{11} يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ{12} ) [ سورة الانفطار ] . ومن معاني هذا الحفظ أن على كل منا رقيبا يحفظه من أن يدمر الآخرين , أو يعيث في الأرض فساد إلا حين يشاء الله أن يجعل بعض الناس فتنة للبعض الآخر. ومن المعاني الحديثـة لهـذه الآيـة وهـذا الحفـظ , أن يقـرر العلمــاء حقيقـة وجـود كـرات الـدم البيض ( White blood corpuscles )، داخل جسم الإنسان والتي مهمتها الدفاع عن الجسم إذا تسللت إليه الجراثيم الممـرضـة ( Pathogens) ، وقـد اتسعـت البحـوث علـى هـذه الكـرات وعلى وظائفها ودورها في هذا الحفظ , فيمكن الرجوع إلى مثل هذه البحوث إذا أردنا التفصيل العلمي. ومن المعاني الحديثة لهذه الآية وهذا الحفظ , أيضا , ما كشفه الأطباء من وجود خطوط دفاعية داخل الجسم تكافح الجراثيم الغازية له , منها مثلا: الشعيرات والمخاط في الأنف ( إذا تسللت الجراثيم عن طريق الأنف ) , ودمع العين ( إذا تسللت الجراثيم عن طريق العين ) , ودفاع اللـوزتين ( إذا تسللت عن طريق الفـم ) وغيـر ذلك كثير مفصل في كتب الطب الحديث (27). ومن المعاني الحديثة , أيضا , لهذه الآية وهذا الحفظ ما توصل إليه علماء الأحياء , وهو: أن الله سبحانه زود كل كائن حي بما يحفظه ويحميه في ميادين الصراع القائمة بين الأحياء , فزود الإنسان بعقل يحميه من عوامل الفتك والافتراس، وبه يستطيع تسخير كل ما هو كائن في الكون , كما أنه سبحانه زود السلاحف بالدروع , وزود الثعابين بالسم , والغزلان بالخفة والسرعة , والنباتات الضعيفة بالأشواك... وهكذا كل كائن خلقه الله سبحانه زوده بما يحميه. * المثـال السادس: قول الحق :(هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ{13} [ سورة غافر ] , فالمعنى العام للآية هو أن الله سبحانه يرينا آياته حينا بعد حين وجيلا بعد جيل , وينزل لنا من السماء رزقا... ولا يعرف آيات الله العديدة ونعمه الوفيرة , ولا يتذكرها إلا من آمن بالله ورجع إليه بالإنابة والمتاب... لكن , ما المقصود بالرزق المنزل من السماء ؟؟ يقول المفسرون القدامى: إن الرزق المنزل من السماء هو ماء المطر , وهذا فعلا رزق عظيم يحفظ علينا حياتنا من نبات وحيوان وإنسان , ولكن يمكن إضافة معان حديثة على مفهوم الرزق هنا. ومن المعاني الحديثة لهذا تلك الأشعة الحرارية التي تصلنا باعتدال من الشمس , فلو انقطعت عنا لماتت جميع الأحياء من شدة البرودة , ولتجمدت مياه المحيطات والبحار والأنهار. ومن ناحية أخرى , فإنه لو زاد مقدارها عن الذي تتنزل به لتبخر مياه جميع الأحياء من ذلك ومن شدة الحرارة. ومن المعاني الحديثة , أيضا , تلك الأشعة الضوئية التي تتوقف عليها حياة النبات في إمكانية بنائه الضوئي ( Photosynthesis ) لغذائه الداخلي , وعلى النبات يحيا الإنسان والحيوان , وعلى الحيوان أيضا يحيا الإنسان. ومن المعاني الحديثة , أيضا , رماد الشهب الذي يتساقط على الأرض , وتبلغ أعداد هذه الشهب عشرات الملايين في كل يوم , فتحترق حين ملامستها للغلاف الجوى , ويسقط رمادها على الأرض , فيزيد التربة خصبا وصلاحية للإنتاج و الإثمار. ومن المعاني التي اهتدى إليها العلم الحديث لذلك الرزق , أيضا , تلك الغازات مثل: ثاني أكسيد الكربون ( Carbon dioxide ) والأكسجين ( Oxygen ) والآزوت ( Nitrogen ) , وكلها ضروري لحياة الكائنات الحية , نباتية كانت أم حيوانية. ثم إن من المعاني المقصودة , أيضا , للرزق هو ذلك الرزق الروحي المعنوي , ويتمثل في الكتب والرسالات السماوية التي نزلت على الرسل الكرام لهداية الناس وانتشالهم من جهالات وظلمات وضلالات الدنيا , فأحيت قلوبهم ونفوسهم.00 * المثـال السابع: يقول الحق عز وجل: ( والسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ{47}) [ سورة الذاريات] ... هذه الآية الكريمة فسرها الأقدمون تفسيراً صحيحا سليما منطقيا، ومجمل قولهم: إن هذا الكون رغم اتساعه ورغم ما ضم وحوى من أجرام , فإن لدى الخالق العلي القدير المزيد والمزيد. ويقول الدكتور/ الفندي - رحمه الله (28) في معان حديثة تضاف إلى ما فهمه الأقدمون , بل تزيد من مفاهيم الآية: إن الناس في بادئ الأمر كانوا يظنون بمركزية الأرض للكون , وإن السماء تنتهي عند القبة الزرقاء , وإن النجوم معلقة وغير بعيدة في تلك القبة , ثم عرف الناس فيما بعد المجموعة الشمسية التي لا يزيد قطرها عن خمس ساعات ضوئية ( الساعة الضوئية هى المسافة التي يقطعها الضوء في ساعة كاملة بسرعته البالغة ثم امتدت أبعاد السماء إلى مجرتنا التي سماها المسلمون ( الطريق اللبني ) , أو(درب اللبانة )، وقطر هذه المجرة ـ أو الجزيرة الكونية ـ هو 100.000 سنة ضوئية. ثم باستخدام المناظير الفلكية اكتشفت الإنسان المجرات الأخرى وعرف أقرب المجرات إلى مجرتنا , وهى مجرة المرأة المسلسلة , وهى تبعد عنا بنحو 700.000 سنة ضوئية. أما القبة الزرقاء فهـــى مجرد ظاهرة ضوئية تحدث في جو الأرض. ثم اتسعت السماء أمامنا حتى وصلت ـ في ظل الفلك الراديوي ـ إلى حدود 20.000مليون سنة ضوئية !!! نعم لقد كشفت لنا المناظير الراديوية تعبيراً رائعاً في قول الله تعالى:( فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ{75} وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ{76} ) [ سورة الواقعة ]. *المثـال الثامن: يقول تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{12}) [ سورة فاطر ]. من البديهي أن بعض الحلي تستخرج من البحر المالح , وقد يستبعد بعض الناس أن تكون المياه العذبة مصدراً للحلي، أيضاً , ولكن العلم والبحوث أثبتا غير ذلك.00 فاللؤلؤ كما أنه يستخرج من أنواع معينة من البحار , فإنه يستخرج أيضا من أنواع معينة أخرى من صدفيات الأنهار، فتـــوجد الــلآلئ فــي الميــاه العــذبة فــي إنجلــترا واسكتلندا وما كان يسمى تشيكوسلوفاكيا , وفي اليابان... ويدخل في ذلك ما تحمله المياه العذبة من المعادن العالية الصلادة، كالماس الذي يستخرج من رواسب الأنهار الجافة المعروفة بالبرقة... كما يوجد الياقوت في الرواسب النهـرية في موجوك بالقرب من باندالاس في بورما العليا , وفي سيام , وفي سيلان (سيريلانكا ). ومن الأحجار شبه الكريمة التي تستعمل في الزينة: حجر التوباز , وهو موجود في الرواسب النهرية في مواقع كثيرة ومنتشرة في البرازيل وروسيا...وكذلك الزيدكون , وهو حجر كريم جذاب تقترب خواصه من خواص الماس , ومعظم أنواعه تستخرج من الرواسب النهرية. اتضح، إذن , بالكشوف العلمية , أن الحلية أصناف وأنواع وأشكال , وأنها من كل من الماءين: المــلح والعذب , وليس من المــــلح وحده , كــــما كان يظن الناس , بل اكتشف العلماء حديثاً ما أشار إليه القرآن قديماً. * المثـال التاسع: يقول الله تبارك وتعالى:( تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ{27}) [ سورة آل عمران ]. أما ما فسرت به هذه الآية فـهو موجود في كتب التفسير المعروفة , لكننا نرى أن هذه الآية تشير إلى دورة الحياة والموت , وهذه الدورة معجزة من معجزات الخالق التي يزخر بها الكون. وتتخلص هذه الدورة في تحول الماء وثاني أكسيد الكربون والنيتروجين والأملاح غير العضوية الممتصة ـ في النباتات الخضراء وأنواع معينة من البكتريا ـ وفي وجود الطاقة الشمسية , إلى مواد عضوية هى مادة الحياة في الأحياء. والاتجاه المعاكس لهذه الدورة , أي الشـــق المضاد , هو تحول المادة الحية إلى مادة غير حية , أي: تحول أجزاء من المادة الحية إلى طاقة ومواد أخرى غير مرغوب فيها , هى النفايات. وقد يتحول الجسم كله إلى ذلك , وهذا إذا انسل منه ســر الحياة ومات... فكل هذه المواد العضوية تتحول كيميائيا إلى مواد غير عضوية بسيطة , جاهزة للدخول في تركيب مواد عضوية والتحـــول إلى مواد حية جديدة. وهكذا تتكرر الدورة من مادة حية إلى مادة غير حية , ومن الأخيرة إلى الأولى , أي: الحي يخرج من ميت , والميت ينتج من حي... فسبحان رب المعجزات ومجريها , سبحان الله الخالق القادر المبدع. * المثـال العاشر: يقول الله عز وجل: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ{3}) [ سورة سبأ ]. إن الإنسان منذ آلاف السنين وهو دائم التفكير في طبيعة المادة , وقد افترض الفيلسوفان الإغـريقيان ديمـقراط Democritus وليـوسيبوس Leucippusمنـذ300-400 سنة قبل الميلاد , أنه إذا شطر الشئ شطرين , ثم شطر كل منهما شطرين آخرين , وهكـذا مرات , فإننا سنحصل في النهاية على الوحـــدة البنائية للمـــادة. وأطلقا علـى هـذه الوحـدة اسـم " الذرة ": Atom، أي: الجـوهر الـذي لا ينقسـم , أو الجـزء الذي لا يتجـزأ.. ثـم تطـور الفكـر البشـري فـي هـذا الموضـوع تطـوراً كبيـراً , عبـر العصـور المتوالية... وجاء لوشميدتLoschmidt (1865م) , ثـم هيتروف Hitrof (1914م ) , ستوني Stoney , ولسون Wilson , بينارد Leonard , رذرفورد Rutherford , بوهر Bohr , هايزنبرج Heisenberg , نيوتن Newton , إينشتين Einstein، فأصبحنا نعلم الآن أن الذرة لها مثقال , وأنها قابلة للانفلاق , وأن بها محتويات (أصغر منها).00 وإن جولة ســــريعة في كتب التفســــير المعروفة لتوضـــح لنا تأويلات المفسرين لكلمة " ذرة " , فمنهم من قال بأنها النمل الصغير , ومنهم من قال بأنها الهباءة ( ويقصد بها دقائق الغبار في الجو , وتظــهر بوضوح عندما يسقط شعاع شمس عليهـا خصوصـاً فـي حيـز مظلـم )... هـذا , وإن كـان النـاس قـديما يقنعـون بهذه التفسيرات , فإن لدينا الآن من المعطيات العلمية ما يوضح أشياء , أو على الأقل شيئاً, لم يكن معلوماً مطلقاً , وهو ما أشارت إليه الآية القرآنية بكلمات " ولا أصغر من ذلك ", فالأصــغر من الشيء هو محتـويات الشـيء , والأصــغـر مـن الـذرة هو محتويات الذرة: إلكترون , بروتون , نيوترون , كوارك... إلخ حقاً , إنه كلام العليم القدير: (... وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ{61} ) [ سورة يونس ] , وهى الآية التي نقرأ فيها: " من " , وهى لفظة تدل هى الأخرى على محتويات الذرة وإمكانية انشقاقها وتجزئتها , لأن " من " للتبعيـض.. بل إنك لو عـــدت إلى النص القرآني الأول لقـــرأت (عالم الغيب ) , وذلك قــبل أن تأتى كلمة: " ذرة " , مما يدل على أن الذرة لا تزال في عالم الغيب , فالإنسان يتعرف عليها بآثارها , لكن لم يرها رأى العين , أو هى: غيب لجل الناس حتى وإن عاينها نفر من الباحثين المتخصصين. وفى ختام دحـض هذه الحجــــة من حجـــج المانعين , أو المـــنكرين , أو المعارضين لتيار الدراسات والبحوث العلمية للآيات الكونية. يقول الأستاذ عمر عبيد حسنة (29): وقــد يكـون مـن أخطـر الإصــابات التي لحقت بالعقل المسلم فحالت بينه وبين التدبر , وكسر الأقفال , ووضع الأغلال والآصار , والتحقق بـالفكـر القرآنـي والرؤيـة القرآنيـة الشاملـة , والاغتـراف منهـا لعـلاج الحاضـر , والامتـداد صـوب المستقبل , واعتماده مصدرا للمعرفة والبعث الحضاري ـ التوهم بأن الأبنية الفكرية السابقة التي استمدت من القـرآن فـي العصـور الأولـى , هـى نهاية المطاف , وأن إدراك أبعاد النص مرتهن بها , في كل زمان ومكان , وما رافق ذلك من النهي عـن القول في القرآن بالرأي , وجعل الرأي دائماً قرين الهوى , وسوء النية , وفساد القصد. وفي هذا ما فيه من محاصرة للنص القرآني , وقصر فهمه على عصر معين , وعقل محكوم برؤية ذلك العصر , وحجر على العقل , وتخويف من التفكير , الأمر الذي يحول بين الإنســان و التدبر المطلوب إليه بنص القرآن. ويواصل عمر عبيد حسنة كلامـه قائـلا: لقـد أورثنا مناخ التقليد الجماعي الذي عطل فينا ملكة الاجتهاد , والإبداع , والإنجاز لقرون طويلة نوعا مـن العجـز المزمـن , جعلنـا دون سويـة التعامل مع القرآن , وإدراك سننه في الأنفس والآفاق , والاقتصار على بضع مئات من الآيات نظر فيها الأقدمون على أنها آيات الأحكام التشريعية... ولا نزال ـ إلى اليوم ـ نزيد فيها ونعيد من خلال ميراث الفقهاء وليس من خــلال ميـراث موقعها مـن الرؤى القـرآنيــة , حيـث للآيـات مقاصـد عـــدة: تربـويـة , واجتماعــيـة , ونفســية , وكونية , ومنبهات حضارية , ووسائل الكشف العلمي حيث , لا يخرج الحـــكم التشــــريعي عن أن يكون واحد منها (30). وبعد , فهذه أمثلة قليلة سقناها لندلل بها على أن القرآن الكريم لا يفسره عالم واحد ولا جيل واحد , ولكن كلما اتسعت فنون الثقافة العلمية وكثرت الكشوف وتنوعت الاكتشافات العلمية ظــهرت لنا معان عظيمة , وانجلت وتجلت أمامنا أوجه لإعجاز آيات الله البينات لم تكن قد ظهرت من قبل. دحض الحُجـّـــــة الثانية: إن المعارضين لهذا الاتجاه يتذرعون بأن القرآن كتاب هداية للبشر , ولا شأن له بالعلوم الطبيعية أو البحوث الكونية , وقولهم هذا على جانب من الحق , ولكنه ليس الحق كله , فهو كتاب هداية بالأحكام والتعاليم ، وهو أيضا كتاب هـــداية بالنظر والتأمل في بديع صنع الله تبارك وتعالى... كيف ذلك ؟ إن الله شاءت حكمته أن ينوع وسائل هدايته لخلقه , لأنه خبير بهم عليم بقدراتهم واستعداداتهم , فهو تارة يخاطبهم بما يمس قلوبهم مسا رقيقا رفيقا , وتارة أخرى يقرع عقولهم قرعا قويا شديدا , فكان من أبرز ما جلا به أبصارهم وأنار بصائرهم حضه إياهم على التدبر في آيات خلقه وصنعه , وإلا فما هى الحكمة الربانية من وراء سوق الآيات الكونية في القرآن الكريم... آيات تذكر السماوات والأرض , والشمس والقمر ومنازله , والمشارق والمغارب , والبروج والنجوم والكواكب , والليل والنهار ,والفجر والغسق , والظلمات والنور, والبحار والأنهـــار والعيون , والرياح اللواقح و العقيم , والسحاب الثقال والمركـوم والمنبسط , والبرق , والمطر , والجبال الراسيات , والجدد البيض والحمر والغرابيب السود , والأرض الهامدة والأرض المهتزة الرابية , والجنات والنخيل , والأعناب , والتين والزيتون , والطلع والسدر واليقطين , والنمل والنحل , وجناح بعوضة , وبيت العنكبوت , والطير الصافات , والإبل والخيل والأنعام , واللبن يخرج من بين الفرث والدم , والشراب الشافي يخرج من بطون النحل... إن كل هذه الظواهر وتلك المخلوقات وغيرها لهى جديرة بأن يتدبر الإنسان أمورها , ويتأمل في إحكام صنعها , ويتفكر في عظمة خالقها تبارك وتعالى حتى يصل إلى مرتبة الخشية , فإذا كان من أهل التخصص والبحوث زادت هذه الخشية وبلغت أوجها , وملأ حب الله الخالق الوهاب قلبه وأخذ عليه فؤاده.. اقرأ قول الحق تبارك وتعالى: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ{27} وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ{28} ) [ سورة فاطر ] وهذه الفكرة البالية التي ظهرت في قرني النهضة العلمية الحديثة وهى أن القرآن كتاب هداية ولا علاقة له بالكونيات أو أصول العلوم التجريبية , زاد من رسوخها أن المتعلمين يرون حديث القرآن عن الكونيات حديثا مفرق الأجزاء بين السور والآيات المختلفة , على غير ما هو معروف ومألوف لديهم في تصنيف الكتب العلمية , فظنوا بذلك أنه لا علاقة ولا رابطة بين أجزاء هذا الحديث في الموضوع الواحد. وقد غاب عنهم أن هذا التفريق إنما هو مقصود في القرآن لحكمة بالغة , وأن هذه الآيات أو الأجزاء المفرقة في الموضوع الواحد مثلها كمثل الجزئيات والحقائق العلمية التي يقررها البحث العلمي متفرقة أولا ثم يكون منها بعد ذلك بالعلم والاستقراء والتطبيق الأصول والقواعد العامة. ثم هناك سبب آخر أدى إلى ظهور هذه الفكرة البالية التي نناقشها , ذلك هو إهمال التثقيف الديني في دور التعليم , واقتصاره على الطرق التقليدية البالية التي ظهرت في عهود التخلف الذي اعترى الأمة الإسلامية في القرون الماضية غير الغابرة , ذلك السبب أدى إلى انصراف المثقفين عن كتاب ربهم , وأضحى كثير من الناس ـ على اختلاف درجاتهم وتخصصاتهم البحثية ـ لا يتصلون بالقرآن سوى بسماعه في المآتم والافتتاحيات والطرب للتفنن في قراءاته من قـراء هذا الزمن الذين أثروا عـلى حساب القرآن الكريم , يشترون بآيات الله ثمنا قليلا حتى مكنهم من تشييد العمارات وشراء العقارات , إنهم لم يجدوا حتى الآن رادعا يوقفهم عن هذا العبث بروح الكتاب المجيد , وحسبنا الله ونعم الوكيل (31). لقد وقفنا على كلام غريب حاول به صاحب كتاب ( الإشارات العلمية في القرآن الكريم) (32) أن يبرر القول بأن القرآن ليس كتاب علم , وإنما هو كتاب هداية فقط , وإن كان يدعو إلى التزود بالعلم. يقول المؤلف:... ولكن يتضح لنا الفرق بين القول بأن القرآن كتاب علم , وبأن القـرآن يدعو إلى العلم , إذا نقلنا كلا من القضيتين إلى شخص غير مسلم , كالمواطن الياباني مثلا , إذا قلنا له: إن القرآن كتاب علمي حوى كل العلوم الدنيوية , فإنه سيســــأل ببساطة عن الحقــــائق العلمية والمعلومات والنظريات , عن المجـــرات والكواكب وحجم الشمس و... إلخ. وهنا سنقف عاجزين عن الرد , لأن القرآن لم يرد به شئ مـــن هذا ( على حد زعم مؤلف الكتاب المذكور ), ولم يكن ليرد لأنه ليس كلام بشر , ولكنه وحي إلهي من لدن الخالق الأعظم للوجود والأكوان. ولكن , إذا قلنا له إن القرآن الكريم يدعو الإنسان إلى مكارم الأخلاق والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر , ويدعو إلى تعلم العلوم الكونية والتبحر فيها....إذا قلنا له ما تقدم , فإن كلامنا يكون مقبولا ومسموعا. نحــن - مـــن جانبــنا - نــرد على المؤلف ردّا جميلا فنقول: تبريرك هذا يا سيدي لمقولة ( القرآن ليس كتاب علم ) يوضح التخصص النظري ( القانوني ) الذي تعمل به , وأنك لست على دراية بما يحتويه القرآن من سبق علمي أو إعجاز علمي , بما لو اطلع عليه علماء الغرب لوفر عليهم سنوات طويلة من البحوث الشاقة لكي يصلوا إلى الحقيقة , مثل انفلاق الذرة أو انشطارها , وأنها ليست أصغر وحــــــدة في الكون , وقــد صرح ( أقول صرح وليس أشار فقط ) القرآن بذلك , لكن الألفاظ والكلمات والآيات تحتاج من يفهمها فهما صائباً , ويستخرج منها بعض كوامنها الثرية , فاللفظة القرآنية بحر ملئ بالنور , وعلى قدر تعلمك للغوص ,على قدر ما تجنيه من اللآلئ و الدر الثمينة , كلما سعيت في هذا البحر بجد ومثابرة كلما عدت إلينا بمحصول وفير... ولا عجب , فالقرآن لن تنتهي عجائبه ولن تنضب معائن أسراره على مر الزمان. أما الاستدلال بما ورد في رواية معاذ عن الأهلة وسبب نزول الآية , وأن ذلك دليل على عدم ولوج الكلام في مسائل الأهلة , وبالتالي المسائل الكونية , فهو معارض لما رواه الطبري في تفسير عن قتادة في هذه الآية. قالوا: سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: لم جعلت هذه الآهلة ؟ فأنزل الله فيها ما تسمعون: (هى مواقيت للناس والحج ) , فجعلها لصوم المسلمين ولإفطارهم , ولمناسكهم وحجهم ولهدى نسكهم , ومحل دينهم في أشياء , والله أعلم بما يصلح خلقه. وروى عن الربيع وابن جريح مثل ذلك , ففي هذه الروايات التي ساقها الطبري أن السؤال هو: لم جعلت هذه الأهلة ؟ وليس السؤال: ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يستوي ويستدير ثم ينقص. ولذلك فإنه لا دليل في الآية على نفي التفسير العلمي (33). وعلى أية حال , فقد وردت في القرآن الكريم الدعوة صريحة ومؤكدة إلى التدبر في آيات الله التنزيلية , وكذلك آياته الكونية , ولقد أربت آيات الحث على التدبر واستعمال العقل و الفكر على خمسين أية , لا يتسع المقام هنا لسردها (34). دحض الحُجـّـــــــة الثالثة: الحجة الثالثة هى قول العارضين بأن ما يُسمى ( حقائق العلم ) ليس سوى فروض ونظريـات يعتقد رجال العلوم فترة من الزمان في صحتها , ثم لا يلبثون أن يثبتوا بأنفسهم بطلانها , ولذلك لا يجوز الرجوع إليها عند دراسة آيات الذكر الحكيم. هذا الزعم عموما غير صحيح من وجوه: إن الذي يتغير في العلم ليس قواعده , أو أسسه , بل فروضه التي لا زالت تخضع للدراسة والتمحيص , ذلك بأنها تستنبط باستخدام قوى العقل في ظل الثابت من حقائق العلم , وكلما تراكمت معلوماتنا السليمة عن الكون , تلك المعلومات المستمدة بالرصد و القياس والتتبع , كلما كانت هناك فرصة أكبر لاستنباط النظريات أو لتعديلها أو تحويرها. لاشك أن رجال العلوم الذين خلصت نواياهم , وأتقن تدريبهم على كيفية التعامل مع الفروض والنظريات والقوانين والقواعد والملاحظات والتجارب , لاشك أن العلماء الكونيين الذين آمنوا بالله وبرسله , وأحكموا التخصصات , وتعمقوا في لججها , لاشك أن تحدث هؤلاء في أمور الآيات الكونية الواردة في القرآن الكريم يكون ذلك محموداً منهم , مأجورون عليه. ولكن يجب علينا معرفة أن رجال العلوم الكونية ـ كغيرهم ـ يتفاوتون فيما بينهم من حيث المراس والدراسة والإتقان , وأن هناك فرقا كبيرا بين استخدام الحقائق العلمية حين الكلام عن آيات القرآن , وبين الاعتماد على الفروض و النظريات , ولنوضح ذلك بما يلي من الأمثلة: *المــثال الأول: إن الضوء منذ عهد ( الحسن بن الهيثم ) تراكمت فيه معلومات وحقائق علمية , فتوصل العلماء إلى أن الضوء (ينعكس ) أو ( يرتد ) reflects من الأجسام التي يسقط عليها , ثم عرفوا أنه ( ينكسر ) refracts , ثم توصلوا إلى أنه (يتشتت ) أو (يتناثر ) disperses ، وأنه ( يحيد ) deviates , وكذلك ( يستقطب ) polarized .00 كذا ظهرت في ظل هذه الحقائق عدة نظريات علمية تتعلق بطبيعة الضوء أو كنهه أو حقيقته المطلقة , منها نظريات (الجسيمات الصغيـرة جداً ) التي قال بها نيوتن، ثم ( النظرية الموجية ) Wave Theory التي قال بها هيجن , ثم ( نظرية الكم ) Quantum Theory لبلانك , ثم... إلخ , ولم تثبت حقيقة الضوء على حال حتى الآن !! * المــــثال الثاني: إن معرفة أن الكائن الحي يتكون من عدة خلايا متكاملة متعاونة لأداء وظائف قضاء الحياة المكتوبة , إن معرفة هذه الحقيقة منذ قـــرن ونصف قـــــرن لم يبطله ما يتوالى من الكشوف المدهشة مع تقدم المجاهر ( الميكروسكوبات ) وأدوات البحث و التقصي و التدقيق، فهل اكتشاف الكروموسومات ( الصبغيات ) أو الليسوسومات ( الأجسام الحالة ) بواسطة المجاهر الإلكترونية أبطل وهدم النظريات الخلوية التي اكتشفت منذ مائة وخمسين سنة... ثم هل هدمها أيضاً ما تم اكتشافه فيها بواسطة علوم الوراثة ( Genetics ) والكيمياء الحـــــــــيوية ( Biochemistry ) , والفيزياء الحـــيوية ( Biophysics ) , والبيولوجيا الجــزيئية ( Molecular Biology ) , من جينات (مورثات ) وأحماض نووية وجزيئات ملفوفة , وغير ذلك. * المثال الثالث: النظرية الذرية (Atomic Theory) التي عرفها الإنســــان قديما، وهى أن كل عنصر (element) من العناصر المادية يتكون من ذرات , هل هدمتها الكشوف الحديثة والبحوث حينما توصلت إلى تحديد وجود بروتونات Protons وإلكترونات Electrons ونيوترونات Neutrons , وإلى ما هو أدق من ذلك وأعجب مثل الكوراكات Quarks، وغيرها ؟ وفي خاتم هذا البحث نرى من الواجب علينا أن نرد على الأستاذ عمر عبيد حسنة الذي كتب في تقديمه للكتاب العشرين من " سلسلة كتاب الأمة " ( قطر ) يعرض بالإعجاز العلمي للقرآن الكريم , ويعتبر السعي في جوانب هذا المجال عجزا من المسلمين عن الإبداع , وقصورا عن مواكبة الحضارة العالمية , ووقوفا عند حدود الاحتماء بالميراث الماضي , إلى غـــير ذلــك ممــا لـــم نسمعه أو نقرأه لكتاب أفاضل وعلماء متعمقين , بهذا الأسلوب المتجاوز للحد.0!! إن الأستاذ عمر حسنة يناصر الرأي القائل بأن القرآن ليس فيه إعجاز علمي أصلا , في حيــن أنـه يؤكد ورود حقائق علميـة في القرآن , فكيف يؤكد ما سبق أن رفضـه في نفس الفقــــرة ؟ (35) , بـــل وبـعد ذلك بسطور يؤكد أن هذه الحقائق العلمية حين تنزلت في عصـر( الأمية العلمية ) كانت ولا تزال دلائل النبوة وبرهان صدقها ـ على حد تعبيره ـ فكيف به يسقط عجز الأمة اليوم وقصورها في مجالات التقدم التكنولوجي على أمور من بينها البحوث الجارية في مجال الإعجاز العلمي للقرآن الكريم ؟ !! إنه إن كان يخشى أن يستغني بعض المسلمين اليوم بالإعجاز العلمي للقرآن عن محاولة الإبداع والإنجاز العلمي والتقني , فإننا نقول له: لقـد أخطـأت فـي ظنك هذا , ولا مبرر للخشية , فإن الذين يسعون في مجالات الإعجاز العلمي للقرآن الكريم ـ والسنة النبوية الشريفة ـ بعمق وكفاءة ومنهجية , هم علماء مشهود لهم أيضا بالكفاءة العـــلمية في تخصصاتهم , علماء لو أحسن تنسيق أعمالهم ولو أعطوا الفرصة ـ كما يجدونها في خارج الدول العربية , هناك في دول المقصد ـ أي المهجر أو الجذب ـ لقاموا بحضارة علمية تقنية , يصلون بها ماضي الأمة الزاهر بحاضرها المرير بمستقبلها المأمول. إنني لم أر عالما يطرق باب الإعجاز العلمي أو يبدع في بيان أحد وجوهه إلا ووجدته على درجة عالية من الخلق الإسلامي , والعقلية العلمية , والفكر التقني , والحس الديني الرفيع ـ مع استثناء قلة من الأدعياء والمتسلقين ـ فلا داعي إذن لما ذهب إليه الأخ عمر حسنة في كلامه خلال تقديمه لكتاب الأمة، رقم (20). هذا , ومن العجيب أن الأستاذ حسنة قد كرر كلامه هذا مرة أخرى في مقدمة كتبها للكتاب الخامس من سلسلة قضايا الفكر الإسلامي التي يصدرها المعهد العالمي للفكر الإسلامي (36) , وختم كلامه بهذه العبـارة:... لذلك , نخشى أن ينقلب موضوع الإعجاز العلمي المعاصر من منبع حضاري مورق , إلى صورة من التفاخر والتظاهر المعوق , وتكريس التخلف والأمية العلمية. ----------- بقلم الأستاذ الدكتور كارم السيد غنيم الحواشـــــي 1) محاضرة ألقيت في لقاء عقدته جمعية الإعجاز العلمي للقرآن والسنة بالتعاون مع كلية الصيدلة - جامعة الأزهر ( بالقاهرة ) في عام 1997م. 2) العمري ( د / أحمد جمال ): مفهوم الإعجـاز القرآني ( حتى القرن السادس الهجري )0دار المعارف بمصر , ط1 , 1984م . 3) عز الدين ( أحمد ): القرآن يتحدى. دار السعادة ( القاهرة ), ط1, 1973م. 4) ابن عاشور ( محمد الطاهر ): تفسير التحرير و التنوير. تونس , ط1, 1984م. 5) الغزالي ( محمد ): كيف نتعامل مع القرآن. سلسلة قضايا الفكر الإسلامي (5) المعهد العالمي للفكر الإسلامي - مكتب القاهرة , ط3 , 1992م. 6) الحــديث متفق عليه , رواه البخاري في صحيحه , عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه , في كتاب الصيام , باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:( لا تكتب ولا تحسب ) , ورواه مسلم في صحيحه , في كتاب الصيام , باب ( وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطـر لرؤية الهلال ) , وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوما. 7) أبـــى بن كعب بن قيس بن عبيد , من بنى النجار , من الخزرج , أبو المنذر, صحابي أنصاري , كان قبل الإسلام حبرا من أحبار اليهود. كان من كتاب الوحى , وشهد بدرأ وأحدأ والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكتب كتاب الصلح لأهل بيت المقدس , وأمره عثمان رضي الله عنه بجمع القرآن , فاشترك في جمعه... مات بالمدينة عام 21هـ ( 642م ). 8) الحديث رواه مسلم في صحيحه عن أبي كعب رضي الله عنه في كتاب ( صلاة المسافرين وقصرها ) , باب ( فضل سورة الكهف وآية الكرسي ). 9) سليمـان بن مهران الأسدي , أبو محمد , المقلب بالأعمش , تابعي مشهور , أصله من بلاد الري , ومنشأه ووفاته في الكوفة كان عالما بالقرآن و الحديث و الفرائض , روى نحو 1300 حديث. ولد عام 61هـ (681م) , وتوفى عام 148هـ (768م). 10) محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز, أبو عبد الله , شمس الدين الذهبي , تركماني الأصل من أهل دمشق , شافعي المذهب ,إمام حافظ مؤرخ , كـان محـــدث عصــره , بــرع فـــي الحديث وعلومه , وكان يرحل إليه من سائر البلاد , ولد عام 673هـ , وتوفى عام 748هـ رواه0 البخاري في صحيحـه , عن أبي هريرة رضي الله عنه , في كتاب الرقاق , باب التواضع. 11) محمد بن إسماعيل بن إبراهيم , أبو عبد الله البخاري , حبر الإسلام , و الحافظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولد في بخاري , ونشأ يتيما , رحل فى طلب الحديث , وسمع من نحو ألف شيخ بخراسان و الشام ومصر والحجاز وغبرها. ولد عام 194هـ وتوفى عام 256هـ. 12) مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري , من أئمة المحدثين , ولد بنيسابور , ورحل إلى الشام ومصــــر و العـــراق في طلب الحديث , أخذ عن الإمام أحمد بن حنبل وطبقته، لازم البخاري وحذا حذوه. ولد عام 204هـ , وتوفى عام 261هـ. 13) يلــــدرم ( د / سعــاد): مستنــدات التــوفيق بيــن النصــوص القرآنيـة وبين النتائج العلمية الصحيحة. المؤتـمر العالمي الأول للإعجـاز العلمي للقرآن و السنة. إسلام آباد( باكستان ) , هـ (1987م ). 14) ولد الشيخ (محمد أمين): خلاصة بحث التفسير العلمي للقرآن , بيـن المجيـزين والمانعين. المـــــؤتمر العـــالمي الأول للإعجــاز العلــمي فــي القرآن و السنة. إسلام آباد ( باكستان ) 1408هـ ( 1987م ). 15) الـــدريني ( د / محمــد فتحــي ): مــوقف الأصــوليين و العـلماء ( قداماهم ومحدثيهم ) من التفسير العلمي. مجلة أسماء ( بيروت ) (1) 1408هـ ( 1988م). 16) إسمـاعيل ( د/عبد العزيز ): الإسلام و الطب الحديث. مطبعة الاعتماد ( القاهرة)، ط 1 ، 1938م. 18) جريدة ( عقيدتي ) التي تصدر بمصر، عدد الثلاثاء 26/4/1994م. 19) التفسير العلمي للقرآن بين المؤيدين و المعارضين. مجلة " المسلمون " (1) 1402 هـ /1981م. 20) كارم السيد غنيم (د): الإشارات العلمية في القرآن الكريم ـ بين النظرية والتطبيق.دار الفكر العربي (القاهرة)، ط1،1995 م0 21) إبراهيم (مدحت): الإشارات العلمية في القرآن الكريم. مكتبة غريب ( القاهرة ) , ط 1، 1993م. 22) إبراهيم (مدحت حافظ): نفس المرجع. 23) الذهبي (د/محمد حسين): نقلا عن بحث الدكتور/ سعاد يلدرم , المؤتمر العالمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن و السنة 1987م ( مرجع سابق ). 24) للمزيد من التفصيل في هذه النقطة أنظر: البار (د/محمد على ): الأسرار الطبيـة والأحكام الفقهية في تحريم الخنزير. الدار السعودية للنشر والتوزيع ( جدة ) ط1 , 1406هـ 1986م. 25) حســـب النبــي ( د/منصور محمد ): الكـون و الإعجــاز العلمــي للقـرآن. دار الفكر العربي ( القاهرة ) ط1 , 1981م. 26) الفـندي ( د/ محمـد جمال الدين ): الله الكون. الهيئة المصرية العامة للكتاب , ط1 , 1976م. ولـه أيضـاً: مع القرآن في الكون. الهيئة المصرية العامة للكتاب , ط1 , 1992م. و له أيضا: الكتاب الكوني , أو المعجزة الخالدة ( جزءان ). المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر , ط1 , 1994م. 27) الشريف ( د/ عدنان ): من علم الطب القرآني ( سلسة الثوابت العلمية في القرآن الكريم ) دار العلــم للمــلايين ( بيــروت ) ط2 , 1972م. ولــه أيضـا: من علم النفس للقرآن الكريم ( سلسلة الثوابت العلمية في القرآن الكريم ) دار العلم للملايين ( بيروت ) ط2 , 1995م. 28) الفندي ( د/محمد جمال الدين ): مرجع سابق. 29) حسنة (عمر عبيد): مقدمة كتاب (كيف نتعامل مع القرآن). المعهد العالمي للفكر الإسلامي (مكتب القاهرة) , ط3 , 1992م. 30) حسنة (عمر عبيد): نفس المرجع. 31) أخرجه الترمذي عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قرأ القرآن فليسأل الله بــــه , فإنــه سيجــيء أقوام يقرؤون القرآن ويسألون به الناس ) فالذي يؤجر نفسه لقراءة القرآن و التغني به فقد ارتكب إثما كبيرا. للمزيد أنظر: إسماعيل ( د/شعبان محمد ): مع القرآن الكريم. مكتبة الحرميـن ( القاهرة ) , ط1 , 1414هـ / 1994م. 32) إبراهيم ( مدحت ): مرجع سابق. 33) ولد الشيخ (محمد الأمين): مرجع سابق. 34) أنظــر كتــابنا ( أبعــاد التكـوين العقلي للفرد في الإسلام ). دار الصحوة ( القاهرة ) , ط1، 1988م. 35) أنظر ص 14 من كتاب ( قضية التخلف في العالم الإسلامي المعاصر ) تأليف الأستـاذ الدكتور / زغلول راغب النجار. سلسـة " كتاب الأمة " (20) ( قطر ) , ط1, 1409هـ / 1988م. 36) أنظر ص 21 من كتاب: كيف نتعامل مع القرآن. المعهد العالمي للفكر الإسلامي ( مـكتــــب القاهرة ). ط3 , 1992م. |