المشرف العام : المهندس عبد الدائم الكحيل
سُننُ الوُجُود PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب د.أحمد محمد كنعان   

 

يبحر الباحث في عالم الطبيعة والوجود ويصحبنا لتأملات كونية لطيفة...

إن الطبيعة كلها موزونة ، من خفقان الحرارة إلى اهتزاز أوتار الكمان ، من تموجات الضوء والحرارة والصوت إلى حركة المد والجزر في البحار ، ومن تعاقب الليل والنهار إلى تعاقب الفصول وتغيرات المناخ ، ومن تذبذب الذرة إلى نشأة وسقوط الشعوب والأمم ومولد وفناء النجوم ... الفيلسوف الإنكليزي هربرت سبنسر

إن التأمل العميق في تكوين هذا العالم ، وما فيه من مخلوقات ، وما جرى فيه من أحداث ، من لحظة ولادته الأولى وحتى اللحظة الراهنة ، لَيَدُلُّ دلالة واضحة على أن الخالق العظيم قد أبدع هذا العالم على نهج من السنن ( = القوانين ) المُطَّردة التي لا تتبدَّل ولا تتحوَّل ، وليست العلوم المختلفة في حقيقتها غير اكتشاف لهذه السنن ووضعها في صيغة معادلات وقوانين رياضية يمكن استخدامها في تسخير تلك المخلوقات والظواهر .

وقد انتهى العلماء أخيراً إلى أن أعظم ما في هذا العالم وأكثر ما يدل فيه على وجود الخالق العظيم هي هذه السنن التي تنظم حركة الوجود ، ونذكر من هؤلاء العلماء الفيزيائي البريطاني المعاصر ( ستيفن هوكنغ ) الذي يعد من أبرز علماء العصر الحاضر ، فقد صرح قائلاً : ( لقد كشف العلم أخيراً مجموعة من القوانين التي تدلنا ضمن الحدود التي رسمها مبدأ الارتياب ( Uncertainty Principle ) كيف سيتطور الكون مع الزمن لو عرفنا وضعه في زمن معين ، وهذه القوانين مرسومة من قبل الله الذي اختار هذه الصورة الأولية للكون لأسباب لا يمكن أن نأمل في فهمها ، فذلك ولاشك ، في مقدور الكلي القدرة )(1) ، أي إن الله عزَّ وجلَّ هو وحده الذي يعلم أسرار صياغة هذه القوانين على هذه الصورة التي لا أمل لنا على الإطلاق في أن ندرك علة كونها على هذه الصورة دون غيرها من الصور ، ولكن حسبنا أن ندرك وجودها ونفهم آليات عملها ، لكي نتمكن من تسخيرها للقيام بأمانة الاستخلاف في هذا العالم .

وترجع أهمية البحث في سنن التاريخ إلى أن كشف هذه السنن ومعرفة شروط عملها يجعلنا أقدر على فهم مسيرة التاريخ والتعامل الإيجابي مع الأحداث ، وقد ضرب لنا القرآن الكريم مثلاً عملياً من خلال قصة الفاتح العسكري الشهير ( ذي القرنين ) لكي ندرك من خلا ل هذه القصة كيف يمكن أن تُذلِّل معرفتنا بالسنن العقبات التي قد تعترضنا في هذا العالم ، فقد استطاع ذو القرنين أن يحقِّق في حقبة قصيرة من عمر الزمان فتوحات عسكرية واسعة ، في مشارق الأرض ومغاربها ، لم يحققها قبله أي فاتح آخر في التاريخ ، وذلك بفضل ما أعطاه الله عزَّ وجلَّ من علم بالأسباب كما جاء في التعبير القرآني البليغ : (( وَيَسْألونَكَ عن ذي القَرْنين قُلْ سَأَتْلو عليكُم منهُ ذِكْراً ، إنَّا مَكَّنَّا لَهُ في الأرضِ وآتيناهُ من كُلِّ شَيْء سَبَبَاً ، فَأَتْبَعَ سَبَبَاً )) الكهف 83- 85 ، ونستشف من قوله تعالى : (( وآتيناهُ من كلِّ شيءٍ سَبَبَاً )) أن من جملة هذا العطاء الرباني الكريم تفهيم ذي القرنين بعض السنن الإلهية التي أتاحت له تحقيق تلك الانتصارات العظيمة .

ونظراً لما في معرفة السنن الإلهية من دور في القيام بعمارة الأرض فإن القرآن الكريم يحضُّنا مراراً وتكراراً على السير في الأرض ، والتفكر بآيات الله المبثوثة في هذا الوجود ، حتى يلفت عقولنا إلى النظام السنني البديع الذي ينظم حركة كل شيء فيه ، لكي نعمل على كشف هذه السنن ونسخرها في عمارة الأرض ، وقد حقق البشر من خلال كشفهم لبعض السنن الكونية فتوحات علمية عظيمة كان لها تأثير كبير في تطوير الحياة البشرية ، نذكر منها على سبيل المثال تلك السنة التي تنبه لها العالم الرياضي الإنكليزي إسحق نيوتن ( 1642 - 1727 ) وصاغها في ( قانون الفعل ورد الفعل ) فقد تمكن الإنسان بعد أن يسَّر الله له الظروف والإمكانيات المواتية أن يستفيد من خصائص هذه السنة في مجالات عديدة ، من أبرزها اختراع المحركات النفاثة التي تعتمد هذه القانون في عملها والتي ساهمت مساهمة أساسية بتقدم علوم الطيران وصناعة الطائرات والصواريخ ، وأوصلت الإنسان آخر المطاف إلى سطح القمر ( عام 1969 ) بعد أن ظل لأحقاب طويلة يتغزل به عن بعد .. وهكذا نرى أن المعرفة الصحيحة بسنن الله في هذا العالم تمنحنا قدرات باهرة تعيننا على عمارة الأرض وتحقيق أهدافنا القريبة والبعيدة .

خصائص السنن الإلهية :

وتتصف السنن التي قدَّرها الخالق عزَّ وجلَّ لتنظيم مسيرة هذا الوجود بثلاث خصائص أساسية ، هي : الشمولية ، والثبات ، والاطراد .

(1) شمولية السنن : تدل الشواهد العلمية المختلفة على أن السنن الإلهية لا تحكم العالم المادي وحده بل تحكم كل ما في الوجود من خلائق ، سواء أكانت هذه الخلائق مادية كالذرة أو الكهرباء أو الحرارة أو الضوء ، أم كانت معنوية كالعواطف الإنسانية والسلوك الاجتماعي وقيام الحضارات واندثارها ، مصداقاَ لقوله تعالى : (( أَفَغَيْرَ دينِ اللهِ يَبْغونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ في السَّمواتِ والأرضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وإليهِ يُرْجَعون )) آل عمران 83 ، فإن كل ما في هذا الوجود خاضع لسنن الله دون استثناء ، وكما أن الماء يطفئ النار ، والحديد يتمدد بالحرارة ويتقلص بالبرودة ، ورَمْيَ الحَجَر في الفضاء يجعله يسقط إلى الأرض بفعل الجاذبية ، والتقاء النطفة بالبيضة يولد الجنين .. وهذه كلها سنن مادية مُشَاهَدة معروفة ، فكذلك هي أيضاً انفعالات النفس البشرية ، وحياة المجتمعات ، ومسيرة الحضارات ، وتاريخ الوجود ، كلها ظواهر محكومة بسنن إلهية دون استثناء ، وقد ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تشير إلى بعض السنن التي تحكم تفاعلات النفس البشرية ، منها قوله تعالى : (( إنَّ الإنسانَ خُلِقَ هَلوعاً 0 إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزوعاً 0 وإذا مَسَّهُ الخيرُ مَنوعاً )) المعارج 19 ـ 21 ، وقوله تعالى : (( وكانَ الإنسانُ أكثر شيئاً جَدَلاً )) الكهف 54 ، وقوله تعالى : (( كلا إنَّ الإنسانَ لَيَطْغى أنْ رآهُ استغنى )) العلق 6 ، وغيرها كثير من الآيات ، كما ورد العديد من القصص التي تتضمن إشارات إلى بعض السنن التي تحكم مسيرة المجتمعات وقيام الحضارات واندثارها(2) .

ويبدي بعض الباحثين تحفظهم تجاه شمولية السنن ، إذ يعتقدون أن المادة وحدها تخضع لسنن صارمة يمكن أن تصاغ صياغة رياضية دقيقة ، أما لواعج النفس البشرية وسلوك الأفراد وحياة المجتمعات والأمم وقيام الحضارات وسقوطها فلا يخضع ـ في ظن هؤلاء الباحثين ـ لمثل هذه الصرامة ، بل يذهب بعضهم إلى ما هو أغرب فيزعمون أن التغيرات النفسية والاجتماعية والتاريخية تجري في حياة البشر بطريقة غيبية غامضة الأسباب !؟

وقد عمَّق هذا الظنَّ الخاطئ في الأذهان ما هو حاصل من فارق كبير بين تقدم العلوم الرياضية المادية وتخلف العلوم الاجتماعية والنفسية عن مواكبة هذه العلوم ، فقد قطعت العلوم المادية حتى الآن شوطاً بعيد المدى ، وقدمت إنجازات علمية هائلة ، وأثبتت جدارتها ومصداقيتها في معظم الأحوال ، وطردت إلى غير رجعة كل الأساطير والأوهام والخيالات التي كان الناس يظنونها من العلم وهي في الحقيقة ليست من العلم في شيء .

أما علم النفس وعلم الاجتماع وبقية العلوم الإنسانية فمازالت تعاني من بعض هذه  الآفات ، ومازالت دراساتها العلمية عند البدايات ، ولم تعطَ حتى الآن الاهتمام الكافي الذي أعطي للعلوم المادية وهذا ما جعل معظم العلوم الإنسانية متخلفة بمراحل عن العلوم المادية ، وهذا ما يفسر لنا الظن الخاطئ بأن النفس والمجتمع والتاريخ والحضارات لا تخضع للسنن الإلهية الصارمة كما تخضع المادة .

ونورد فيما يلي مثالاً نظرياً لتوضيح هذه المفارقة ، فلو أننا استحضرنا إلى عصرنا الراهن اثنين من عباقرة الإغريق القدامى ، ولنفترض أن أحدهما هو أبو الفلسفة أفلاطون ( 427 ـ 347 ق.م ) والآخر أبو الرياضيات فيثاغورث ( 582 ـ 507 ق.م ) ، ثم أدخلنا أفلاطون إلى كلية من كليات العلوم الإنسانية في واحدة من جامعتنا المعاصرة ، وأدخلنا فيثاغورث إلى كلية من كليات العلوم الرياضية ، فما الذي نتوقع أن يحدث ؟ من المؤكد أن النتيجة سوف تدهشنا كثيراً لما فيها من مفارقات ، لأننا سنجد أفلاطون كما عهدناه في الماضي أستاذاً متمرساً يناقش مختلف القضايا المطروحة على بساط البحث بجدارة وعمق ، أما فيثاغورث فسوف يجلس في القاعة مثل ( الأطرش في الزفة ) غير قادر على فهم شيء مما يقال عن النظريات الرياضية الحديثة ، والمصطلحات الجديدة ، وأنَّى له مثلاً أن يفهم ما هي نظرية النسبية (Realitive Theory  ) ؟ أو الثقوب السوداء ( Black Halls ) ؟ أو نظرية الكَم ( Quantum Theory ) ؟ أو الليزر ؟ أو غير ذلك من النظريات والمفاهيم العلمية الحديثة التي نسفت معظم النظريات والمفاهيم القديمة ؟!

إن هذا المثال يظهر لنا بوضوح تام تلك الهوة العميقة التي مازالت تفصل بين العلوم المادية التي قطعت شوطاً عظيماً من التقدم وبين العلوم الإنسانية التي مازالت عند البدايات ، ويكفي للدلالة على هذه الحقيقة أن نلاحظ بأن الحجر الذي استخدمه الإنسان البدائي في العصور الغابرة لدفع الوحوش عن نفسه ، أو اصطياد الفرائس ، قد تطور مع الزمن فأصبح رمحاً ، ثم سيفاً ، فسهماً ، فمدفعاً ، فصاروخاً عابراً للقارات قادراً على إفناء البشرية في لمح البصر .. أما على المستوى الاجتماعي فمازالت القضايا التي شغلت بال الفلاسفة الأوائل هي نفس القضايا التي مازالت تشغل بالنا نحن أهل القرن الحادي  والعشرين ، قرن الذرة .. وغزو الفضاء .. وطفل الأنابيب .. والاستنساخ ... !

وهناك في الواقع سبب عملي وجيه لتخلف العلوم الإنسانية عن بقية العلوم المادية ، وهو أن المادة يمكن أن تخضع للتجربة في المختبر بسهولة ويسر ، وهذا ما يتيح لنا خلال زمن قياسي قصير أن نعرف نتائجها النهائية والقوانين التي تحكمها ، أما التجارب النفسية والسلوكية والاجتماعية والتاريخية والحضارية فهي تتطلب فترات رصد طويلة الأمد قد تستغرق أجيالاً عديدة ، كما أن إجراء التجارب على الأفراد والمجتمعات ليس بسهولة التجارب على المادة ، ناهيك عما تمرُّ به الظواهر النفسية والاجتماعية والحضارية من عقبات وتحولات وانتكاسات خلال مسيرتها الطويلة ، وهذا ما يجعل العوامل المتعلقة بها تتداخل إلى الحد الذي يشوش علينا رؤية السنن التي تحكمها .

ولهذا نجد أن النتائج التي انتهت إليها العلوم الإنسانية حتى اليوم مازالت غير نهائية ، ومازالت القواعد الاجتماعية والنفسية التي يقول بها الباحثون في الدراسات الإنسانية بحاجة إلى المزيد من الدراسة والبحث ، وهذا لا يعني بحال من الأحوال أن النفس البشرية أو السلوك البشري أو التطور الحضاري خارج عن نطاق العلم ، أو لا يخضع لسنن أو قوانين صارمة ، لا أبداً ، فليس في مخلوقات الله عزَّ وجلَّ من شيء إلا وتحكمه سنة أو قانون ، وأما ما توصل إليه الباحثون من اكتشافات حتى اليوم في حقول العلوم الإنسانية فمازال عرضة للصواب والخطأ بمقدار ما يقترب أو يبتعد عن فهم السنن التي تحكم المجال موضوع الدراسة ، وفي الواقع فإن هذا القصور البشري لا يقتصر على العلوم الإنسانية وحدها ، بل هو مشاهد معلوم أيضاً ـ ولكن بدرجات أقل كثيراً ـ في العلوم الرياضية التي توصف عادة بالصرامة والدقة ، فكم من نظرية رياضية ظلت محلَّ قداسة وتقدير لدهور طويلة ثم نقضت من أساسها وظهر بطلانها وحلَّ محلها نظريات أخرى جديدة !

والحاصل فإن العلوم الإنسانية مازالت إلى اليوم مأزومة وغير قادرة على التعبير تعبيراً دقيقاً عن طبيعة السنن التي تحكم الظواهر الإنسانية المختلفة ، ويمكن أن نرجع هذه الأزمة إلى عوامل عديدة نذكر منها :

(1)      إن الاهتمام بالدراسات الإنسانية على مدار التاريخ كان أقل بكثير من الاهتمام بالدراسات المادية الأخرى ، وهذا ما جعل الدراسات الإنسانية تتخلف بمراحل عن بقية الدراسات .

(2)      إن الظواهر الاجتماعية والنفسية والتاريخية شديدة التعقيد وتتداخل فيها عوامل شتى يتعذر حصرها ، ومن ثم تتعذر مراقبتها بصورة وافية .

(3)      إن العامل البشري كثيراً ما يتدخَّل في تفسير الظواهر الاجتماعية والنفسية والتاريخية فينأى بها عن الموضوعية .

(4)      إن المنهج السائد اليوم في البحوث الإنسانية يحتاج إلى إعادة نظر وتقويم ، ففي كثير من الحالات يعتمد هذا المنهج على تجارب تجرى على الحيوان ثم تعمم نتائجها على الإنسان ، وذلك نتيجة للاعتقاد السائد بين العلماء بأن السنن التي تحكم سلوك الحيوان هي السنن ذاتها التي تحكم سلوك الإنسان أيضاً ، والواقع أن هذين العالمين وإن اتفقا في كثير من الصفات الحيوية فإن بينهما اختلافات جذرية لا يستطيع أحد أن ينكرها ، وبخاصة منها تلك الاختلافات النفسية والعقلية والسلوكية التي تميز الإنسان عن الحيوان ، وهذا ما يجعل تعميم التجارب الحيوانية على الإنسان خطأ فاحشاً يؤدي بالضرورة إلى أحكام تجانب الحقيقة .

ولا نريد أن نستطرد أكثر من هذا في تفنيد مشكلات العلوم الإنسانية ، ولكننا نريد التأكيد على الحقيقة التالية ، وهي أننا إذا ما توصلنا يوماً ما لمعرفة سنة اجتماعية أو نفسية أو تاريخية معرفة يقينية فإننا سنجدها لا تختلف عن أية سنة مادية أخرى ، بشمولها وصرامتها واطرادها ، وسوف نجد كذلك أننا نستطيع صياغة هذه السنة الاجتماعية ، أو النفسية ، صياغة رياضية دقيقة كما نصوغ أية معادلة رياضية ، وهذا ما أثبتته نظرية الشَّواش أو نظرية الفوضى ( Chaos Theory ) التي تعد واحدة من أهم النظريات الرياضية في العصر الحديث ، فإن ( هذه النظرية على النقيض مما يوحي به اسمها قد كشفت عن النظام البديع والدقة المتناهية المختبئين وراء الكثير من ظواهر الطبيعة التي تبدو في أعيننا عشوائية للوهلة الأولى ، فقد أثبتت لنا هذه النظرية أن عدم قدرتنا ـ نحن البشر ـ على معرفة مسار الأشياء لا يعني أنها تمضي بصورة عشوائية ، أو أنها لا تخضع لنظام أو سنن ، بل إن عدم قدرتنا هذه تعكس فقط عجزنا عن الإحاطة بظروفها ومعطياتها الأولية )(3) ، أو بمعنى آخر تكشف عجزنا على إدراك السنن الإلهية التي تحكمها ، ولا تعني على الإطلاق أن الكون غير محكوم بسنن .

(2) ثبات السنن واطرادها : وتتصف السنن الإلهية التي تحكم هذا الوجود بالثبات والاطراد ، والثبات يعني أنها لا يطرأ عليها تعديل ولا تبديل ولا تحويل ، كما قال تعالى : (( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْديلاً ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْويلاً )) فاطر 43 ، وأما اطراد السنة فيعني تكرار نتائجها كلما توافرت مقدماتها وانتفت الموانع التي تحول دون فعلها ، كما جاء في قوله تعالى : (( يا أيُّها الذينَ آمَنوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُم وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُم )) محمد 7 ، فبمقدار ما يناصر المؤمنون منهج الله ويلتزمون به بمقدار ما يحقق الله لهم النصر والتمكين ، وهذه سنة مطردة شهد التاريخ وقوعها مراراً وتكراراً .

ومن الدلائل على ثبات السنن الإلهية واطرادها أيضاً دعوة القرآن الكريم للنظر في تاريخ المجتمعات والأمم الغابرة ، كما جاء في قوله تعالى : (( قَدْ خَلَتْ من قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسيروا في الأرضِ فانْظُروا كيفَ كانَ عاقبةُ المُكَذِّبين )) آل عمران 137 ، فما كان القرآن الكريم ليدعونا إلى النظر والتفكر والاعتبار بقصص الغابرين لو لم تكن السنن التي تحكم حياة الأفراد والمجتمعات سنناً ثابتة مطردة تتكرر نتائجها كلما توافرت شروطها وانتفت الموانع التي تحول دون تحقيقها .

السنن الكونية والمصادفة :

ورب معترض يرفض هذه النتيجة التي انتهينا إليها ، ويواجهنا قائلاً : إن سجلات التاريخ حافلة بالوقائع التي تدل دلالة واضحة على دور المصادفة ( Chance ) في تسيير هذا الوجود ، وبخاصة منه التاريخ البشري الذي لا يفتأ بين الحين والآخر يفاجئنا بحوادث غير متوقعة تحرف التاريخ عن مساره وتغير مجرى الأحداث تغييراً جذرياً ، وقد تعجل حصول بعض النتائج أو تؤخر حصول بعضها الآخر ، فأين هي تلك السنن الصارمة التي تزعمون أنها تنتظم مسيرة الوجود ؟!

وعند التدقيق في هذا الاعتراض نجد أنه لا يقوم على أساس من العلم ، فالقول بتغيير مجرى التاريخ ليس سوى ظنٍّ ووهم ، فمن أدرانا أن التاريخ كان سيسير على هذا النحو أو ذاك ؟! إن هذه المسألة مسألة غيبية لا يعلمها إلا الله عزَّ وجلَّ ، وسجلات التاريخ تقدم لنا الدليل تلو الدليل على أن لمسيرة التاريخ منطقاً آخر لا يطابق في كثير من الأحيان توقعاتنا أو تصوراتنا أو مخططاتنا ، وعلى سبيل المثال ( حينما امتنع القائد العسكري Bajazet بسبب إصابته بالنقرس عن السير إلى وسط أوروبا فإن جيبون لاحظ أن مزاجاً حاداً يصيب شخصاً ما قد يمنع أو يؤخر بؤس أمم عدة ، وحين توفي الإسكندر اليوناني في خريف 1920 نتيجة عضة من قرد مدلل فإن تلك الحادثة افتتحت سلسلة من الأحداث دفعت السير ونستون تشرشل إلى القول : إن ربع مليون إنسان ماتوا نتيجة عضة القرد تلك ! أو لنأخذ تعليق الزعيم الروسي تروتسكي على الحمى التي أصابته حين كان يصطاد البط البري ، وقد أصابته في لحظة حاسمة من نزاعه مع زينوفييف وكامنييف وستالين في خريف 1923 فقد علق قائلاً : بوسع المرء أن يتنبأ بثورة أو بحرب ، ولكن يستحيل عليه أن يتنبأ بعواقب رحلة خريفية لصيد البط البري ! )(4)

فهذه الحوادث وأمثالها كثير في التاريخ لا تدل على أن المصادفة هي التي توجه مسيرة الوجود ، بل تدل على قصور رؤيتنا لخط التاريخ ، ومآلاته النهائية التي قد لا تظهر إلا بعد زمن طويل ، ولعل خير دليل على ما نقول بعض قصص القرآن الكريم ، فهل كان مثلاً إلقاء نبي الله يوسف عليه السلام في الجُبِّ ثم التقاطه من قبل بعض المسافرين العابرين ، ثم شراءه من قبل امرأة العزيز في مصر ووصوله إلى أعلى المناصب ، هل كان ذلك كله مجرد مصادفات لا ضابط لها ؟ وهل كان إلقاء موسى عليه السلام في اليَمِّ ، ثم التقاطه من قبل آل فرعون ليتربى في حجر عدوِّه ويقضي على ملكه آخر المطاف ، هل كان ذلك كله مجرد مصادفات عشوائية لا طائل من وراءها ؟

لا .. أبداً .. فإن هذه الشواهد وأمثالها كثيرة في القرآن الكريم وفي سجلات التاريخ تدل دلالة قاطعة على أن وراء الأحداث مدبراً قادراً حكيماً هو الذي ينظم حركة الوجود وفق سنن ثابتة مطردة لا تتبدل ولا تتحول ، ربما أدركنا بعضها ولكننا مازلنا عاجزين عن إدراك معظمها ، وهذه السنن الغائبة عن إدراكنا تحتاج إلى الكثير من التفكير والجهد حتى نستطيع اكتشافها وتسخيرها ، وكلما اكتشفنا واحدة منها ازدادت مساحة تمكيننا في الأرض ، وازدادت معها قدرتنا على التنبؤ بالمستقبل وتوظيف أحداثه في صالحنا .

والخلاصة .. فإن القول بالمصادفة في نظام هذا الوجود ما هو إلا تعبير عن عجزنا عن فهم هذه النظام والسنن التي تنتظمه ، والذين لا يؤمنون بهذا النظام وهذه السنن ويستسلمون إلى وَهْم المصادفة والعشوائية إنما يُلقون بمصائرهم في مهب الريح ويرتكبون بحق أنفسهم قبل غيرهم خطأ جسيماً سوف يدفعون ضريبته مستقبلهم كله .. والويل لمن يفرِّط بمستقبله !

نظام سنني متكامل :

ومن الجدير بالملاحظة هنا أن السنن التي تحكم هذا الوجود لا تعمل منفردة ، بل هي تعمل معاً بانسجام تام ، وتشكل فيما بينها نظاماً واحداً مترابطاً يدل بانسجامه وتكامله على وحدانية الخالق سبحانه ، ومما يدل على هذا التكامل والتداخل والترابط بين السنن قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( لم تظهر الفاحشةُ في قومٍ قَطُّ حتى يُعلنوا بها إلا فَشَا فيهم الأوجاعُ التي لم تكنْ في أسلافهم ، ولم يَمْنَعوا زكاةَ أموالهم إلا مُنُعوا القَطْرَ من السَّماء ولولا البهائم لم يُمْطَروا ، ولم يَنْقُضوا عهدَ اللهِ وعهدَ رسولِهِ إلا سُلِّط عليهم عدوٌّ من غيرهم فيأخذَ بعضَ ما في أيديهم ، وما لم تَحْكُم أئمتُهم بكتابِ اللهِ إلا جُعل بأسُهم بينهم ))(5) ، ففي هذا البيان النبوي البليغ دلالة واضحة على ارتباط بعض السنن ببعض ، كارتباط ظهور الأوبئة الجديدة بتفشي الفواحش في المجتمع ، وما ظهور داء الإيدز ( AIDS ) في أواخر السبعينات من القرن العشرين إلا دليل دامغ على هذا الارتباط ، فقد جاء هذا الداء القاتل نتيجة حتمية لتلك الموجة العارمة من الإباحية الجنسية التي تفشت في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، ووصل الأمر بمروجيها أنهم أباحوا الزواج المثلي رسمياً بين الرجل والرجل ، وبين المرأة والمرأة ، ورخصوا رسمياً لنوادي العراة ، ونقابات الشاذين والشاذات !

ومن الدلائل على تكامل هذا النظام السنني أيضاً ارتباط نزول المطر بإخراج الزكاة كما جاء في الحديث النبوي المتقدم ، بالرغم من أن هطول المطر ظاهرة مناخية تتطلب درجة معينة من الضغط الجوي والحرارة والرياح ، أما الزكاة فهي فعل اجتماعي محض ، وكذلك الارتباط ما بين تبعية المؤمنين لأعدائهم وبين الحيدة عن منهج الله ، وتفشي النزاعات في المجتمع عندما لا يحتكم ولاة الأمر والمجتمع إلى كتاب الله الكريم ، وما فيه من توجيهات ربانية حكيمة !

وهكذا نجد الدليل تلو الدليل على تكامل المنهج السنني الذي ينتظم هذا الوجود ، وهذا ما أثبته العلم أخيراً بما لا يدع مجالاً للشك ، فقد عرف العلماء في غضون القرنين الماضيين أن الكون بما فيه من ذرات ومجرات ومخلوقات وظواهر محكوم بقوى رئيسية أربع ، هي ( الكهربائية ، والمغناطيسية ، والنووية ، والجاذبية ) وقد ظل العلماء حتى عهد قريب يظنون أن هذه القوى لا علاقة بينها ألبتة ، إلى أن أثبتت المشاهدات العلمية الدقيقة والتجارب العملية أن هذه القوى المتباينة في الظاهر يمكن توحيدها أو إرجاعها إلى ظاهرة واحدة أو أصل واحد ، وقد بدأت مسيرة التوحيد هذه مع العالم الرياضي اسحق نيوتن الذي وحد بين ظاهرتي الجاذبية الأرضية والجاذبية بين الأجرام السماوية الأخرى ، وصاغ قانون الجاذبية العام ، ثم جاء العالم الاسكتلندي جيمس ماكسويل ( 1831 ـ 1879 ) فوحد بين ظاهرتي الكهرباء والمغناطيسية في ظاهرة واحدة سماها ( الكهرومغناطيسية ) وصاغ لها المعادلات الشهيرة التي مازالت تحمل اسمه حتى اليوم ، وقد أثمرت هذه النظرية حتى الآن الكثير من الاختراعات الحديثة ، منها اللاسلكي والراديو والهاتف وغيرها كثير من المخترعات التي انتقلت بالبشرية نقلة واسعة إلى رحاب عصر التكنولوجيا المعاصر .

وفي مطلع القرن العشرين ( عام 1927 ) عممت نظرية ماكسويل في النظرية التي عرفت باسم نظرية الإلكتروديناميك الكوانتية أو نظرية الكم ( Quantum Theory ) التي صاغها في مطلع القرن العشرين الفيزيائي الألماني ماكس بلانك ( 1858 ـ 1947 )  وقد أسفرت هذه النظرية أيضاً عن عدد هائل من المخترعات الباهرة التي جاء في مقدمتها اختراع ( الترانزستور ) الذي أحدث ثورة علمية واسعة في دنيا الإلكترونيات ، وأهدانا الكثير من المخترعات التي ليس الكومبيوتر إلا واحداً منها .

وفي أواخر القرن العشرين أيضاً ، نجح نخبة من العلماء ، منهم الفيزيائي الباكستاني عبد السلام الحائز على جائزة نوبل في توحيد التفاعلات الكهرومغناطيسية والتفاعلات النووية الضعيفة في نظرية واحدة أطلقوا عليها اسم ( النظرية الكهروضعيفة ) وفي أعقاب هذا النجاح ازداد أمل العلماء بإمكانية جمع ظاهرة التفاعلات النووية القوية في إطار هذه النظرية وأطلقوا على النظرية المرشحة لذلك اسم النظرية الموحدة الكبرى ( Grand unification theory ) أو نظرية كل شيء (  Theory Of Everything ) ويفترض في هذه النظرية حين إنجازها أن تمثل التعبير الموحد والرائع رياضياً عن كل القوى الفاعلة في الكون ، من القوى التي تحافظ على بقاء الأرض في مدار منتظم حول الشمس ، إلى القوى التي تقي نوى الذرات من الانفجار الداخلي على نفسها ، ووفقاً لمقولات فيزيائيين كثيرين فإن هذه القوة العليا الموحدة ستكون حسب تعبير أحدهم هي ( منبع الوجود كله )(6)

وهكذا .. يبدو جلياً أن السنن الإلهية التي تنتظم الوجود تشكل حلقة واحدة تحركها يد العناية الإلهية ، وقد أودع اللهُ عزَّ وجلَّ في أبي البشرية آدم عليه السلام العلمَ بحقائق هذا الوجود وسننه من غير تحديد ولا تعيين ، كما نستشف من قوله تعالى : (( وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها )) البقرة 31 ، وقد ورث البشر هذا الاستعداد الفطري عن أبيهم آدم عليه السلام ، وراحوا بهذا الاستعداد يكتشفون من أسرار الوجود وسننه ما مَكَّنَهُم من السَّيطرة على الكثير من مخلوقاته وظواهره ، والقيام بأمانة الاستخلاف وعمارة الأرض ، ولولا أن جعل الله فيهم هذا الاستعداد الفطري لظلوا عاطلين عن الفعل الحضاري ، ولما كان حالهم اليوم بأحسن من حال بقية المخلوقات الكثيرة التي تشاطرهم العيش فوق هذا الكوكب ولم تستطع ـ بالرغم من تاريخها الطويل ـ أن تغير شيئاً من أحوالها ، بينما استطاع البشر أن يغيِّروا وجه الأرض ، على الرغم من أنهم ظهروا إلى الوجود في آخر القافلة كما ورد في الحديث الصحيح .. وهذا هو مدار حديثنا القادم بإذن الله .

----------------

بقلم الدكتور أحمد محمد كنعان

الهوامش

(1) ستيفن هوكنغ : موجز في تاريخ الزمان ، ص 147 ، أكاديميا ، بيروت 1999 .

(2) للمزيد من التوسع في هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى كتابنا (  أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق ) الصادر عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في دولة قطر 1990 ، ودار النفائس في بيروت 1996 .

(3) هيئة الإعجاز العلمي برابطة العالم الإسلامي : مجلة الإعجاز العلمي ، العدد ( 5 ) ص 23 يناير 2000 .

(4) إدوارد كار :  ما هو التاريخ ؟ ص 109 ، ترجمة ماهر كيالي وبيار عقل ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت 1986 .

(5) أخرجه ابن ماجة ، والبزار ، والبيهقي واللفظ له .

(6) المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب : الثقافة العالمية ، ص 193، العدد 116 ، يناير  فبراير 2003 ، الكويت .