تكنولوجيا النانو : دعوة للإيمان PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب الأستاذ عمارة شندول   

 

في هذه الرحلة نتعمق في الأشياء الدقيقة التي خلقها الله من حولنا...

بسم الله الرحمن الرحيم

و صلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين و سلم تسليما. و بعد،

فقد دعانا الله تعالى إلى النظر في هذا الكون البديع الفسيح.. و البحث في الأجسام الكبيرة فيه كالأرض و الشمس و القمر، فقال تعالى :

قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ. ( يونس 101)

و قال تعالى :

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ( العنكبوت 20)

و قال تعالى :

أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ .. وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ .. تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ . ( ق 6-7-8)

فكان النظر في هذه الآيات دعوة منه تعالى أن نتفكر في خالقها و منشئها و مالكها و المتصرف فيها و العالم بدقائقها الذي هو الله سبحانه و تعالى..

ثم انه لفتنا إلى النظر في الأجسام الصغيرة أيضا.. و مما تتجزأ منه.. دعانا إلى النظر في أصل خلقنا.. و مم كان ذلك الخلق.. إلى النظر في الماء المهين الذي هو أصلنا..

دعانا إلى النظر في ما نرى لكبره و قربه منا، و ما لا نرى مما عظم بعده عنا.. و استجاب الإنسان لدعوة ربه فصنع التلسكوبات و المسبار.. و نظر عظمة الله في الكون.. و لكن كثيرا ممن اشتغل برؤية خلق الله و عجائبه في خلقه قد شغل عقله بروعة ما ينظر لكأنه هو من صنع.. و يكبر في عينه و عقله أن يقال اكتشف فيغفل.. يغفل عن قصد الله و عن دعوة الله..

ثم أنه، و كما ذكرت، قد دعانا الله تعالى إلى النظر في الأشياء الصغيرة.. و ليس الصغيرة مما ننظر بالعين.. بل حتى تلك الأشياء المتناهية في الصغر التي لا تراها العين.. و استجاب الإنسان لدعوة الله.. و لعل هذه الاستجابة ذاتها هي من أثر دفع الفطرة فيه نحو الله.. و صنع الإنسان الميكروسكوب.. ثم استعمل فيما بعد ما نطلق عليه تكنولوجيا النانو، و التي هي دراسة أساسات البناء لكل ما هو حولنا.. بمعنى دراسة الذرات و الجزئيات ( الجسيمات الذرية)..

و مع أن آيات الله تعالى ستتجلى من خلال هذه الدراسة فإن عديد الغافلين سيجعلون غرضهم ليس معرفة الحق من خلال ذلك، إنما استعماله في هذه الدنيا.. و هو الهدف الذي رسمه المهتمون بهذا الجانب إذ أنهم يجعلون الغرض من هذه الدراسات العمل على التلاعب بالذرة و تغيير خصائصها بهدف خلق مكونات و رقائق الكترونية أصغر بآلاف المرات ( و ربما بملايين المرات) من تلك الموجودة و المستعملة في العديد من المجالات العلمية.. كأن نصنع مثلا محركات كهربائية بحجم الاظفر.. أو نسخ موسوعة ذات العشرين أو الثلاثين جزءا على مساحة تساوي رأس دبوس..

هذه ربما كانت أهدافهم.. مع أنها ليس فيها خلاف للقوانين أو تضاد مع ما رسم الله و قدر في الطبيعة.. يقول ريتشارد فاينمان ( في محاضرة له بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا) : ... يتم الحديث دائما عن محركات كهربائية بحجم الاظفر.. بالنسبة لي هذا ليس مهما.. حسبما أعرف، فقوانين الفيزياء لا تمنع من التلاعب بالأشياء ذرة بذرة.. هذه ليست محاولة لخرق أي من القوانين العلمية.

انظروا معي.. إننا نحلم أن نكون أغنياء، و أصحاب مكانة في العالم.. و ربما نحلم أن نكون أصحاب شهرة.. و نحلم أن نكون قدوة لغيرنا.. و نحلم و نحلم.. غير أن الذي يجمع كل أحلامنا.. هو أن نكون أصحاء.. إذ كيف لنا أن نتمتع إذا كنا مرضى ؟ لذلك فإننا نكره المرض و نسعى للتداوي.. فلو نظرنا إلى حقيقة المرض من وجهة نظر طبية.. إن الأشخاص الذين يعانون من أمراض معينة، هم الأشخاص كبار السن أو الذين أصيبوا بحادث ما، فهم يعانون بسبب التسلسل غير المتوافق للذرات.. قد يكون فيروس هو المسبب لهذه الوضعية.. و قد يكون الزمن هو المسبب لها.. و قد تكون العوامل الوراثية هي السبب.. و قد يكون أيضا حادث مروري مؤسف.. أو صدمة نفسية حادة.

و التالي فالأدوات القادرة على إعادة الترتيب الصحيح للذرات ستكون أيضا قادرة على السماح لهؤلاء بتجاوز عللهم..

يقول الله تعالى :

وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ. ( الذاريات 21)

دعونا نتحدث معا في هذا الجانب..

فلكي يحدث ذلك فكر العلماء فيما يسمى برقاقة الحمض النووي ( DNA Chip) ، التي تسمح بدراسة الجينات.. و من المتوقع لدى العلماء، الوصول إلى استخدام هذه التكنولوجيا، قريبا، في العمليات الجراحية لتصحيح أو تحفيز الخلايا و تمكينها من التكاثر مجددا.

و هذه أيضا من مهام الباحثين في علم جزئيات الذرة أو جزئيات الخلايا، و التالي فهي تشكل جزءا من تكنولوجيا النانو..

و لعلنا الآن نرى الموضوع من زاوية أخرى.. و لعلي أعطيكم فهما أفضل لما يدرسه علماء تكنولوجيا النانو.. و مدى أهميتها في حياتنا اليومية.. و في حياتنا الإيمانية أيضا..

لقد أرى الله تعالى سيدنا ابراهيم ملكوته.. فنظر سيدنا ابراهيم في الشمس و القمر و الكوكب.. و علم أنه مهما عظم حجمها، فإن أعظم منها من خلقها و ملك أمرها.. و من خلال هذا الملكوت عرف سيدنا ابراهيم ربه فأسلم له و وجه له وجهه..

يقول الله تعالى :

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ.. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ.. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ.. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ.. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. ( الأنعام 75-76-77-78)

و نظرنا مثله في ذلك غير أن أكثرنا لم يوجه وجهه للذي فطر السماوات و الأرض.. ثم ماذا ؟

أليس عجيبا أن يلفت الله تعالى صاحب القرية، إلى النظر في طعامه، قبل أن يأمره بالنظر إلى حماره  النظر إلى العظام التي تكسى لحما.. ثم ليجعله بعد ذلك آية للناس ؟ ..

آية لنا نحن.. يقول تعالى :

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ( البقرة 259)

لكن.. لماذا دعاه إلى النظر إلى طعامه ؟

و ما الذي يعنيه طعام الرجل مع عظمة الله و قدرته..

هل يعني أن الطعام آية تدل على الله..

و لننظر نحن إلى كلام الله تعالى.. فهذا الخطاب و جهه إلينا نحن أيضا..

يقول الله تعالى :

فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ. ( عبس 24)

ألا يسأل أحدنا.. لماذا دعانا إلى ذلك ؟ .. ألنعرفه من خلال ما نأكل ؟ و أي شيء في ما نأكل يمكن أن يدلنا على الله ؟ ..

سأبدأ معكم بشيء مألوف في حياتنا.. و ستلاحظون معي أن كل شيء يدل عليه تعالى.. و في كل شيء له آية   تدل على أنه الواحد..

 

في الصورة نرى قطعة جبن عادية، تتواجد على مائدة الإفطار في العديد من البيوت.

غير أننا لا نعرف عن جزيئاتها الصغيرة شيئا.. نعرفها فقط قطعة جبن.. تصلح لنأكلها.. دعونا نقترب أكثر..

 

عندما نقترب أكثر من الصورة، لا نجد أي شيء لم نتوقعه سابقا..

 

مع أن الحقيقة هي أن هناك كائنات حية تعيش في الجبن، لا تسبب لنا أي أذى.. على العكس، فهي تساعد على إعطائنا الجبن بالطعم و الرائحة المعروفين لنا.

 

لقد استطاع الإنسان باستعمال ميكروسكوب من نوع اي. اس. اي. ام. (Environmental Scanning Electron Microscope) أن يرى بعض هذه الكائنات.. كائنات تشبه إلى حد بعيد فريقا من الخنافس في كومة من تبن.. مع أنها قطعة جبن نأكلها و نتمتع بطعمها اللذيذ و رائحتها الذكية.. و نستعملها في صناعة الحلويات.. و ربما في تحضير السمك كما هو في المطاعم الفخمة عند الفرنسيين.. و ككل شيء حي، فإن هذه الكائنات مكونة من خلايا.. توصل العلماء إلى قياسها بالميكرون و هو جزء من المليون من المتر..

 

هذه الصورة تمثل خلية من خلايا تلك الكائنات التي تعيش في قطعة الجبن التي نأكلها.. أليس عجيبا أن يدعونا الله للنظر إلى ذلك ؟ .. هل سنقول مثل صاحب القرية : أعلم أن الله على كل شيء قدير.. علنا نغفل عن ذلك.. لأننا ما نظرنا إلى ذلك بعين الإيمان.. إنما بعين مائلة عن الحق و قلب يملؤه حب الدنيا..

أليس كرم من الله أن أخفى عنا ما لو كشف لنا لأصبحت الحياة به ضنكا..

 الحمد لله رب العالمين..

------------

بقلم الأستاذ عمارة شندول

المراجع :

(1)      القرآن الكريم

(2)      مجلة آفاق العلوم

 

شبكة الإعجاز في القرآن والسنة  2009
الموقع قيد التطوير