المشرف العام : المهندس عبد الدائم الكحيل
تنبيه الألباب إلى حــديث الذبــاب PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب الأستاذ الدكتور كارم غنيم   

 

شكك الملحدون بحديث النبي الكريم حول الذباب، وفي هذا البحث يناقش الباحث هذه القضية ويرد بالحجج الدامغة، ويثبت بطلان الادعاءات هذه...

   اتخذ بعض مَنْ لا دين لهم (حديث الذباب) تكئة للتنديد بالدين، وأنكره بعض ضعاف الإيمان، وحاول المستنيرون من المتدينين أن يبحثوا عن تأويل مقبول له، لمواجهة استهجان بعض المتخصصين في العلوم والطب، أو سخرية البعض الآخر من نص هذا الحديث النبوي...

             ونحـن ـ فيما يلي من صفحات لا ندَّعي أننا سنأتي على جميع جوانب الموضوع، وإنما بحسب ما توافر لدينا من مراجع، وما أسعفنا به الوقت، سنوضح جوانب في الموضوع، ونجلي أوجهاً من الغموض الذي واجه البعض في فهم هذا الحديث النبوي الشريف.

·        الحديث النبوي: سندًا ومتنًا:

   روى البخــاري في صحيحـه وابــن ماجه في سننه عن أبى هريرة قول رسـول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفى الآخر شفاء). ذكره البزار، وكذلك التبريزى في (مشكاة المصابيح)، وابن حجر في (تلخيص الحبير).

    وروى البخاري في صحيحه وابن ماجه في سننه وأحمد في مسنده عن أبى هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه - كله - ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفى الآخر شفاء). ذكره البزار، وكذلك التبريزي في (مشكاة المصابيح)، وابن حجر في (تلخيص الحبير).

          وروى البخاري في صحيحه من حديث أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحيه داء وفى الآخر شفاء). وامقلوه يعنى اغمسوه،كما ورد في النهاية لابن الأثير.

    وروى ابن ماجه في سننه عن أبى سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: (أحد جناحىْ الذباب سم والآخر شفاء، فإذا وقع في الطعام، فامقلوه، فإنه يقدم السم ويؤخر الشفـــاء).

       وروى النسائي وابن ماجه في سننيهما عن أبى سعيد الخدري أن رسـول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن في أحد جناحىْ الذباب سم والآخر شفاء، فإذا وقع في الطعام، فامقلوه، فإنه يقدّم السم ويؤخر الشفاء).

 هـــذا، وقد أورد صـاحب (مصباح الزجاجة) (1) حديثا مختصرا عن النسائي في (السنن الصغرى) عن عمرو بن على عن يحيى بن سعيد القطان عن ابن أبى ذئب، بلفظ: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله).

 وعن ابن أبى ذئب حدَّث أحمد في مسنده، أيضا، فقال: حدّثنا يحيى، حدّثنا ابن أبى ذئب قال: حدثني ســـــعيد بن خالد عن أبى سلمة، عن أبى ســـعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وقع الذباب في طعام أحدكم فامقلوه).

         وروى أحمد في مسنده، أيضاً، عن بشر بن مفضل، عن ابن عجلان عن سعيد المقبـــري، عــــن أبــــى هــريرة قــال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، وإنه يتقى بجناحه الذي فيه الداء، فليغمسه كله).

        وروى أحمد في مسنده، أيضاً، عن وكيع عن إبراهيم بن الفضل، عن سعيد بن أبى سعيد عن أبى هريرة قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع الذباب في طعام أحدكم أو شـــرابه فليغمســه إذا أخرجـه، فـإن فـي أحـد جناحـيه داء وفـي الآخر شفاء، وإنه يقدِّم الداء).

       وروى أحمد في مسنده، أيضاً، عن يونس، عن ليث، عن محمد، عن القعقاع، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، عن رسول الله   صلى الله عليه وسلمأنه قال: (إن الذباب في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، فإذا وقع في إناء أحدكم فليغمسه، فإنه يتقى بالذي فيه الداء، ثم يخرجه).

روى الــدارمي في سننه عن سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة، عن ثمامة بن عبد الله ابــن أنـس، عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء).

وروى البخاري في صحيحه عن قتيبة، عـن إسماعيل بن جعفر، عن عتبة بن مسلم مولى بنى تيم، عن عبيد بن حنين مولى بنى زريق، عن أبى هريرة أن رسـول الله صلى الله عليه وسلم قـال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء).

  تتبّع صاحب كتاب (الإصابة) (2) سند حديث الذبابة في باب كامل من كتابه، وجعل الفصـل الأول فيه حول طرق هذا الحديث، والفصل الثاني فيه حول دراسة أسانيد هذا الحديث. أما طرق الحديث فتناول فيها خمساً، هى: طرق حديث أبى هريرة، طرق حديث أبى سعيد الخدري، طرق حديث أنس بن مالك، وطرق حديث علىّ بن أبى طالب..

  أما حديث أبى هريرة فقد رواه البخاري من طريقين، ورواه كل من أبى داود وابن ماجه من طريق واحد، وأخرجه أحمد بن حنبل من عشر طرق، ورواه الدارمي من طريقيـن، ورواه البيهقي من ثلاث طرق، ورواه كل من ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود من طريق واحد، ورواه الطحاوي من ست طرق، ورواه البغوي من ثلاث طرق، ورواه ابن السكن وابن عبد البر  000 إلخ. هكذا، حتى أحصى صاحب الكتاب أربعاً وثلاثين طريقاً من حيث الإجمال، واثنين وأربعين طريقاً من حيث التفصيل، وقد أثبت رواة الحديث من كل هذه الطرق.

 ثم تناول طرق حديث أبى سعيد الخدري (للذبابة)، وقد أخرجه أحمد بن حنبل من طريقين، وكل من النسائي وابن ماجه وابن حبان وأبى داود الطيالسي والبيهقي وابن قتيبة وأبى عبيد وابن عبد البر والبغوي وعبد بن حميد، من طريق واحد، ورواه الطحاوى من طريقين، وكذلك الطبراني وأبو يعلي والحاكم.. إلخ.

 وكذلك فعل صاحب الكتاب بالنسبة لطرق الحديث عند أنس بن مالك وعند علىّ بن أبى طالب. وأما رواية الأخير - َكرَّمَ الله وجهه - فأخرجها ابن النجار، ولفظها: (في الذباب: أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء، فإذا وقع في الإناء، فأرسبوه، فَيَذْهَبَ شفاؤه بدائه).

 

ثم تناول صاحب الكتاب دراسة أسانيد الحديث من طرقه المختلفة، وأثبت في هذه الدراسة بما لا يدع مجالاً لشك صحة هذا الحديث، فهو إذن حديث صحح، بل هو من أعلى درجات الصحة. ثم ختم بقوله: إن هذا الخبر (أيْ: حديث الذباب) قد كثرت طرقه بحيث زادت على خمسين طريقا، كما هو مرسوم في " شجرات الرواية "، لكل من حديث أبى هريرة وأبى سعيد وأنس - رضى الله عنهم أجمعين. كما أن هذه الطرق قد وردت بأسانيد صحيحة ورجالها ثقات.. وبهذا يتبيّن أن هذا الحديث قد صُحَّيحَ من حيث الرواية والسند، وأن حكم أئمتنا عليه بالصحة قول صحيح سليم، لا غبار عليه، وأن من خالف وأنكر - من حيث الرواية - فعليه البرهان، وهيهات، وأنىَّ له ذلك، وقد رواه الأئمة الثقات الأثبات، والحمد لله.

    وفي الباب الثاني من كتابه، درس د/ خليل خاطر(3) (متن الحديث) وبيَّن الخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس، وهو (عدم التفريق بين المستحيل والمستغرب)، لأن المستحيل يعود إلى أصل الشيء ونكرانه، ولكن المستغرب يعود إلى ضعف القائم بالتصور وعدم إدراكه.. (فإذا جاءت هذه الأحاديث من طرق ثابتة تفيد القطع، فيجب اعتقادها، ولا يصح إنكارها، لأن إنكار المقطوع به كفر، والعْياذ بالله تعالى. وهذا واضح إذ كم من أمر جاء موافقاً لما قاله صلى الله عليه وسلم، بعد سنين أو مئات السنين. وإن جاءت هذه الأحاديث عن طريق غلبة الظن، فليس من شأن المسلم أن يبادر إلى تكذيبها، بل يلزمه التأني، والسؤال عن صحة الخبر، حتى لا يقع في التناقض بعد ثبوته.

وبهذا نرى كثيراً من الناس لا يفرقون بين ما يرفضه العقل ويحكم باستحالته، وبين ما يستغربه، فيساوون بينهما في سرعة الإنكار والتكذيب، وهذا جهل فاضح، وتجنىِّ على الحقائق، وغرور في النفوس، وتقديس للعقول.. على أننا نرى من الاستقراء التاريخي، وتتبع التطور العلمي، والفكري، أن كثيرا مما كان غامضا على العقول، أصبح مفهوما وواضحاً، بل نرى كثيرا مما كان ينكره العقل، أصبح الآن يقره، ويسلِّم بوجوده، وصار عنده من الحقائق..

   وهكذا يكون (حديث الذباب) قد رواه العديد من المحدّثين وأثبتوه في كتبهم، ولم يوجد لأحد من نقَّاد الحديث طعناً في سنده، فهو في درجة عالية من الصحة، وكل ما وقع من الطعن فيه من بعض المتساهلين إنما هو من جهة متنه ومدلوله، فقد قالوا: كيف يكون الذباب الذي هو مباءة الجراثيم فيه دواء؟ وكيف يجمع الله الداء والدواء في شئ واحد ؟ وهل الذباب يعقل فيقدّم أحد الجناحين على الآخر ؟ (4).

   وإذا كان البعض قد ادّعى أن الحديث غير صحيح، وأنه يتعارض مع الآية القرآنية: (وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه...)، فإن الآية لا تخص الذباب وليست في قضيته، وإنما جاء الذباب في معرض ضرب المثل لمن يعبدون الأصنام، بأن الأصنام لا تقدر على خلق الذباب مع صغره، ولو اجتمعوا لخلقه، ثم بيَّن غاية جهلهم بأن هذه التماثيل لا تقدر على خلق أقل الأحياء، ولا تقوى على مقاومته، أو استنقاذ ما يختطفه منها، فقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [ســـورة الحــج] (5).

  إن حديث الذباب إسناده صحيح.. وجميع رواياته متصلة وصحيحة، وزادت عن عشرين طريقا (6). أما من حيث المتن، فإن الذباب مما يتعذر دفعه كثيراً، وتصعب الوقاية منه في كثير من الأحوال، فإذا دعت الضرورة ووقع الذباب في الطعام، فإن الحديث النبوي يكشف عن وجود مواد مضادة لكثير من الأمراض، فإن نحن غمسنا الذبابة وخرج منها السائل قتلت المادة الموجودة فيه تلك الجراثيم المرضية، وهذا غير مرفــوض عقلياً، وإن كان مستغرباً، والغرابة تأتي من الجهل بمادته، ولأن النفس تعافه (7).

  يقـــــول ابــن قتيبة: إن مَـنْ حَـمَلَ أمـر الديـن علـى مـا شـاهد، فجعـل الذبـاب لا يعلـم موضـع الســم، موضــع الشـفاء، واعترض على ما جاء في الحديث مما لا يفهمه، فإنه منسلخ من الإسلام، مخالف لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وما درج عليه الأخيار - من صحابته – والتابعون. ومن كذّب ببعض ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، كمن كذَّب به كله (8).

ويقول الخطابي: تكلم على هذا الحديث مَنْ لا خلاق له، فقال: كيف يجتمع الشفاء والداء في جناحيْ الذباب ؟ كيف يعلم ذلك من نفسه حتى يقدِّم جناح الداء، وما ألجأه إلى ذلك ؟ قال: وهذا سؤال جاهل، أو متجاهل، فإن كثيرا من الحيوان قد جمع الصفات المتضادة، وقد ألف منها وقهرها على الاجتماع، وجعل منها قوى الحيوان. وإن الذي أَلْهم النحلة البيت العجيب الصنعة للتعسيل فيه، وألْهم النملة أن تدّخر قوتها أوان حاجتها، وأن تكسر الحبة نصفين لئلا تُستنبت، لقادر على إلْهام الذبابة أن تقدم جناحاً وتــؤخر الآخـر... وقال ابن الجوزى: إن النحلة تعسل من أعلاها وتلقى السم من أسفلها... والحية القاتل سمّها تَدْخُلُ لحومُها في الترياق، الذي يُعاَلَجُ به الُسُمُّ.

 ويقول صاحب كتاب(السنة النبوية في مواجهة التحدي) (9): يعترف علماء الطب والطبيعة وغيرهم بأنهم ما وسعوا كل شئ علما، ولم يحيطوا بدقائق كل العلوم والمعارف... واكتشافات العلم كانت وما زالت تتوالى من اكتشاف شئ بعد آخر.. فبأية عقيدة وإيمان ينفى هؤلاء المنكرون أن يكون الله تعالى أَطْلَعَ رسوله صلى الله عليه وسلم على أمر لم يصل إليه علماء الطب وعلماء الطبيعة بعد.

·        ما حكم منكر الحديث ؟

  سبق أن ذكرنا أن الحديث الذي يدور حوله كلامنا إنما هو حديث صحيح، ولكنه مما انفرد به البخاري، فمسلم لم يذكره في مسنده الصحيح، وبالتالي فالحديث غير متفق عليه... كما أنه من أحاديث الآحاد، أي أنه ليس من الأحاديث المتواترة التي تفيد اليقين... كما سبق لنا أن أوردنا رأي البعض في حكم منكره.

  وإذا كان بعض العلماء قد ذهب إلى خروج منكر أحاديث الآحاد - عموما - من الإسلام فإن البعض الآخر لا يحكم بخروجه من الإسلام، لأن الذي يخرج من الدين هو إنكار ما كان منه قطعياً يقينيا، أي (المعلوم من الدين بالضرورة) (10).. أمـا من يتخذ من هذا الحديث (حديث الذباب) أو غيره من أحاديث الآحاد سبيلاً لإثارة المشاكل ضد الإسلام أو السخرية منه أو الاستهزاء به، فهو كافر بإجماع العلماء...

  لقد أدلى صاحب كتاب (السنة النبوية مصدرا للمعرفة والحضارة)(11) بدلوه في (حديث الذباب)، وأثبت رأيه في الموضوع بقوله:.. ولو نظرنا إلى حديث(غمس الذباب) الذي دارت حوله معارك الجدل في هذا العصر، لوجدنا أن الحديث يمثَّل إرشادًا في أمر دنيوي، في بيئة معينة قليلة الموارد، محدودة المصادر من المواد الغذائية، فلا ينبغي المسارعة بإلقاء كل طعام وقعت فيه ذبابة، وخصوصاً في مجتمع يبنى أبناءه على التقشف والخشونة والأعداء لحياة الجهاد. أما ما يتضمنه الحديث من إخبار بأن (في أحد جناحيْها داء، وفي الآخر شفاء)، فهو شئ فوق خبرة البيئة، وتجربة العرب، وينبغي أَلاَّ نقابله بالردِّ أو التكذيب لمجرد الاستبعاد.

·        الذباب في عالم الحشرات:

   صدرت موسوعة (سلسلة كتب النحلة) للفتيان، لصاحبها الدكتور/ كارم السيد غنيم عن دار الفكر العربي (القاهرة)، وقد احتل الذباب جزءين في هذه الموسوعة، ولما كان الأمر يستدعى تعريف القارئ بالذباب ليفهم (حديث الذباب) فهما سليما، نرى أن نقتبس بعض الفقرات من هذه الموسوعة فيما يلي (12).

  يفوق عدد أنواع الذبـاب المعـروف في أنحـاء العـالم الآن (000,64) نوع، ومن المعروف أن النوع يعنى ذباب له نفس الصفات والطبائع والسلوك ونظام حياة واحد، فالنوع إذن يضم ملايين الملايين، أو مليارات المليارات من الأفراد التابعة له... على أن أهل الاختصاص يشترطون القابلية للتزاوج بين أفراد النوع الواحد.

        والذباب قد يكون مفيدا للإنسان، كالذباب الأزرق وغيره من الأنواع الآكلة للرمم والجثث والمواد العفنة، فهو يخلص الإنسان منها، وينظف البيئة من الملوثات، وكذلك ذبابة الخل التي يستعملها علماء الوارثة في تجاربهم وبحوثهم واكتشافاتهم في علم الوارثة وتقدم البشرية فيه...  

 أما الوجه السئ للذباب فهو الأضرار التي تنجم عن حركته ونقله للميكروبات إلى الإنسان، وهى الميكروبات التي تسبب له أمراضاً كثيرة، مثل الكوليرا (وتنتشر في شكل وباء يقتل المئات أحيانا)، التيفود، مرض النوم، الليشمانيا، حمى الباباتازى، الدوسنتاريا الأميبية، الدوسنتاريا البكتيرية، الإسهال الصيفـى، السل، الجزام، الجمرة الخبيثة، والخراريج،... هذا إلى جانب نقل بيض بعض الديدان والطفيليات.

 ولقد وصل عدد الميكروبات الضارة التي أحصاها أحـد العلماء فـي شعـر ذبابة واحدة إلى (000,660) ستة ملايين وستمائة ألف ميكروب...!! وهناك من العـلماء مـن عثر عـلى (000,5000) خمسين مليون ميكروب على جسم ذبابة واحدة..!! هذا العدد هو عدد الميكروبات التي عثر عليها العالم على وبين شعر الذبابة، يعنى موجودة على الذبابة من الخارج، ولكن هناك أعداد أخرى لميكروبات أخرى موجودة داخل جسم الذبابة، وخصوصاً في القناة الهضمية (الجهاز الهضمي)....

  وسبق لنا أن أشرنا إلى تنوع الذباب واختلاف أنواعه عن بعضها في الشكل والصفات والسلوك، ومن نافلة القول أن نذكر عددا من أنواع الذباب الشهيرة: الذباب المنزلي العادي، ذبابة الإسطبل، ذبابة الخيل، ذبابة الخل، ذبابة الفاكهة، الذباب السارق، الذباب الحوّام، الذباب صـانع الأكياس، نغف الجمال، برغش الغنم، ذبابة الوجه، ذبابة الدمع، ذبابة النحل، ذباب مايو، ذباب الحجـر، ذباب الكاديس، ذباب الكالسيد، ذبابة اللحم، الذبابة الزرقاء، الذبابة الخضراء، الذباب المنشاري، ذباب الحور، الذباب المتوحش، الذباب الرقيق،... الخ... ومن هذه الأنواع ما يتبع رتبة الذباب الحقيقي، ومنها ما لا يتبعها، وإنما ينتمي إلى رتب أخرى، لكنه أخــــذ تسمية " ذباب "... والذباب الحقيقي  (True flies)  هو حشرات تنمي إلى رتــــــبة تسمى " ذوات الجناحين " (Order: Diptera)، أو تسمى أحياناً  " ثنائيات الأجنحة ".

  الذبابة المنزلية الشائعة (House fly)  توجد في كل مكان تقريباً، غير نظيف، أو حتى نظيف، لكنه يحتوى طعاماً شهًّياً للذباب، كالسوائل الحلوة أو المشروبات أو الأطعمة المكشوفة...!! والذبـابة التي عمرها يتراوح بين (9)، (12) يوما، هي التي تبيض، فأين تبيض ؟ إنها تبيض في الأماكن القذرة وشقوق الحظائر الملـوثة بالروث، وتبيض أيضا في القمامة، وخصوصاً قمامة الفواكه والخضراوات المتعفنة، وهذه أفضل أماكن لتربية يرقات الذباب(Maggots)   بعدما يفقس البيض....

      ويتجمــع الذباب عندما يبيض، والأنثى الواحدة منه تبيض بيضها متجمعاً في شكل كتل، كل كتلة فيها (100) بيضة، ويصل عدد الكتل التي تضعها الأنثى  (female)في حياتهـــا (20) كتلـة، يعنــى أن متوسط عدد البيض الذي تبيضه أنثى الذبابة المنزلية هو (2000) بيضة...

        ويرقات الذباب المنزلي بيضاء تشبه الدودة، ولكن ليس لها أرجل، لذلك فإنها تتحرك مثل حركة الثعبان تقريباً، وهى لكي تكبر لابد أن تنسلخ (تخلع جلدها وتستبدل به جلدا جديدا)، ويحدث الانسلاخ (Moulting)  مرتين، ثم تنمو وتنمو حتى تصل إلى أقصى حجم لها، ثم تتحول إلى عذراء(Pupa)، أو ما تسمى "خادرة ". وقد تسـتغرق حياة اليرقـة كلها (5) أيام أو (7) أيام أو (12) يوماً أو (14) يوماً، وكلما انخفضت درجة حرارة الجو، كلما طالت مرحلة اليرقة (Larval stage) .... 0

       ويتغلظ جلد اليرقة في آخر أيامها، ويتحـول لونه إلى البني أو البني الغامق، وتتحول اليرقة بداخله إلى عذراء، ويسمى هذا الغلاف "الغلاف البرميلي" (Puparium)... وبعد 3-5 أيام، ينشـق هذا الغلاف البرميلي، وتخرج منه ذبابة يافعة (Adult)، لها أجنحة، لكن لا تطير فور خروجها من هذا السجن (أقصد الغلاف البرميلى الشكل)، وإنما تحتاج ساعة في الهواء الطلق لتمدد جناحيْها، وبعدها تكون قادرة على الطيران، فتقلع وتحلق في الهواء... وهى أيضا ذات قدرة على الزواج، وعلى وضع البيض (Oviposition)، وعلــى إنــــتـاج ذرية (Progeny)  أو جيــل جديـــد(New offspring).

·        الذباب: مصدر الداء ومصدر الدواء:

1)          توصَّل (بريفيلد) - من جامعة هال بألمانيا - في عام 1871م إلى أن الذبابة المنزلية (  Musca domestica) تصاب بطفيل من الفطور (Fungi) اسمه العلمي (إمبوزا  موسكي  Empusa musci)، وهو من فصيلة الفطور المسماة (إنتوموفنزالى)، التي تنتمي إلى الفطور المسماة (فيكومايسيس). يقضى هذا الطفيل حياته في الطبقة الدهنية الموجودة داخل بطن الذبابة، على شكل خلايا خميرة مستديرة. وبعد نضج هذه الخلايا المستديرة، تستطيل وتخرج من بين الشدف البطنية (Abdominal segments) أو من المتنفّسات (الفتحات التنفسية ( Spiracls والفطْر في هذه الحالة يكون في دوره التكاثري، وتتضاعف أعداد البذور داخل الخلايا، فيزداد ضغطها، فتنفجر الخلايا، وتخرج منها بذور الفطر باندفاع شديد مصحوبة بالسائل الخلوي على هيئة رشاش.

2)          قــدّم العالم دريل (Derele) - في 12 ديسمبر 1923 م تقريـرا عن أسباب تكرار ظهور وباء (جائحة) الكوليرا في الهند، وطرق مكافحته، وقد كان موفدا لهذا الغرض من رئاسة الصحة البحرية والحجر الصحي المصري. وبعد أن قام دريل وزملاؤه المتخصصين بدراسة الموقف وتقويمه، قدم هذا التقرير المسهب، الذي أثبـت فيه أن البكتريوفـاج (Bacteriophage) - أي قاتل (أو بالع أو آكل أو مفترس) البكتريا، أو الخلية البكتيرية البلعمية - هو العامل الوحيد في مكافحة وباء الكوليرا، ويوجد هذا العامل في براز الناقهين من هذا المرض، وأن الذباب ينقله من البراز إلى آبار ماء الشرب فيشربه الأهالي. وحين يظهر البكتريوفاج القوى في ذباب البلاد ومائها تنطفئ جذوة الكوليرا.

وحصل دريل وزملاؤه على البكتريوفاج القوى من جسم الذباب، وتوصل إلى أن الحصانة (المناعة) الحقيقية يحققها الأهالي بعد دخول البكتريوفاج في أمعائهم بشرب الماء أو بتناول الأغذية المحتوية عليه والمنقولة إليها بواسطة الذباب.

3)                نشرت جريدة التجارب الطبية في عددها 1037/54 الصـادر في عام 1927 م تحت عنوان: (الباكتريوفـاج من ذباب البيوت): لقد أطعم الذباب الذي يألف البيــــوت مـــن مــزرعة الجراثيــم الممـرضة (Culture des Microbes Pathogènes)  ، وبعـد حيـن اخـتفى أثر الجراثيم التي في الذباب وماتت كلها، وظهرت في الذباب مادة قاتلة للجراثيم تسمى " باكتريوفاج " وهى مادة ذات أثر قوى ضد أربعة أنواع من الجراثيم الممرضة. كما ذكرت المقالة أن خلاصة من الذباب في محلول ملحي فسيولوجي وجد أنها تحتوى هذا العامل " الباكتريوفاج "، وكذلك مادة أخرى ليست من هذا النوع ولكنها مفيدة في الدفاع العضوي ضد أربعة أنواع أخرى من الجراثيم الممرضة.

4)                أعلن أستاذ علم الفطور الكبير (لانجيرون) في عام 1945 م أن فطر (إنتوموفنزالى) الذى يعيش دوماً فى بطن الذبابة على هيئة خلايا مستديرة، تحتوى خميرة (إنزيم) خاصة قوية، تحلل وتذيب من أجزاء الحشرة الحاملة للمرض.

5)                ذكر (بريفيلد)، أيضاً، أن الباحث (موفيتش) نجح عام 1947م فى عزل مضادات حيوية من مزرعة للفطور التي تعيش على جسم الذبابة، ووجدها ذات مفعول قوى على جراثيم سلبية لصبغة جرام (مثل جراثيم الزحار والتيفويد)، ووجد أن جراماً واحدًا منها يحفظ أكثر من ألف لتر من اللبن من التلوث بالجراثيم المذكورة.

6)                وفــي سنــة 1948 م، عـزل (بريان)، (كورتيس)، (هيمنج)، (جيفيريس)، (ماكجوان)، من بريطانيا، مادة مضادة للحيوية تسمى (كلوتينيزين)، وذلك من أنواع تابعة لفصيلة الفطور التي تعيش فى الذبابة، ووجدوا أن هذه المادة تؤثر في الجراثيم السالبة لصبغة جرام، ومن بينها جراثيم الدوسنتاريا والتيفويد.

7)                وفــى سنــة 1949م، عـزل (كوماس)، (فارمر) – مـن  انجلترا، (جريان)، (روث)، (اتلنجر)، (بلانتر)- من سويسرا -  مادة مضادة للحيوية تسمى (انياتين)، وذلك من فطور تعيش في الذبابة. وتؤثر هذه المادة بقوة في جراثيم سالبة وجراثيم موجبة لصبغة جرام، وفى بعض الفطور الأخرى، مثل جراثيم الدوسنتاريا والتيفويد والكوليرا. وتكفى كمية قليلة من هذه المادة المعزولة من جسم الذبابة لقتل أو إيقاف نمو هذه الجراثيم المرضية.

8)                كما تمكن العالمان الإنجليزيان (ارنشتاين)، (كوك)، والعالم السويسري (روليوس)، في عام1950م، من عزل مادة أسموها (جافاسين)، وذلك من فطر ينتمي إلى نفس الفصيلة المذكورة سابقاً، وهو يعيش على الذباب، واتضح لهم أن هذه المادة تقتل جراثيم مختلفة من بينهما الجراثيم السالبة لصبغة جرام والجـــراثيم الموجبــة لصبغـة جرام. ممـا يفيـد فــي مكافحة الجراثيم التي تسبب أمراض الحميات التي يلزمها فترة حضانة  lncubation period)  ) قصيرة.

9)                نشر العالمان المصريان د / محمود كمال، د / محمد عبد المنعم حسين، مقالة في مجلة الأزهر (القاهرة) - عدد شهر رجب 1378 هـ، تحت عنوان: " كلمة الطب في حديث الذباب "، ضمّناها كثيرا من الأخبار والمعلومات. وذكرا أن الذباب ينقل أمراضاً كثيرة، وذلك بواسطة أطراف أرجله، أو في برازه. وإذا وقعت الذبابة على الأكل، فإنها تلمسه بأرجلها الحاملة للميكروبات الممرضة، وإذا تبرزت على طعام الإنسان، فإنها ستلوثه أيضاً بأرجلها. أما الفطور (الفطريات) التي تفرز المواد الحيوية المضادة، فإنها توجد على بطن الذبابة، ولا تنطلق مع سوائل الخلايا المستطيلة لهـذه الفطـور (والتي تحتوي المواد الحيوية المضادة) إلا بعد أن يلمسها السائل الذي يزيد الضغط الداخلي لسائل الخلية، ويسبب انفجار الخلايا المستطيلة، واندفاع البذور والسائل إلى خارج جسم الذبابة.

 

10)                نشرت جريدة " الأهرام " بالقاهرة في عددها الصادر يوم 2يوليو 1952م، مقالة للأستاذ / مجدي كيرلس جرجس (وهو مسيحي مصري)، ورد فيها:.. وهناك حشرات ذات منافع طبية، ففي الحرب العالمية الأولى، لاحظ الأطباء أن الجنود ذوى الجروح العميقة الذين تركوا بالميدان لمدة ما، حتى ينقلوا إلى المستشفى، قد شفيت جروحهم والتأمت بسرعة عجيبة، وفى مدة أقل من تلك التي استلزمتها جروح مَنْ نقلوا إلى المستشفى مباشرة.

      وقد وجد الأطباء أن جروح الجنود الذين تركوا بالميدان تحتوى على " يرقات " بعض أنواع  " الذباب الأزرق " وقد وجد أن هذه  "اليرقات" تأكل النسيج المتقيح في الجروح، وتقتل " البكتريا " المتسببة في القيح والصديد.

      وقد استخرجت مادة (الانثوين) من " اليرقات " السالفة الذكر، واستخدمت كمرهم رخيص، ملطف للخراريج والقروح والحروق والأورام. وأخيرا، عُرف التركيب الكيميائي لمادة (الانثوين) وحُضّرت صناعياً، وهى الآن تباع بمخازن الأدوية.

11)                ذكــر الدكتور/ ظافر عطار فـي مقالة له منشورة بمجلة عالم الطب والصيدلة (13) أن عبد الوارث كبير نشر مقالة في مجلة العربي (بالكويت) اتهم فيها حديث الذباب بالضعف، ثم ردّ عليه د/عز الدين جوالة على صفحات عدد سبتمبر 1965م من نفس المجلة، وتوجَّه فى مقاله باللوم إلى عبد الوارث كبير لإنكاره هذا الحديث، وظنَّه أنه من وضع الواضعين...

ويقول د/ جوالة في مقاله هذا: إن الحديث النبوي لا ينكر أن الذباب يحمل الأقذار وجراثيم الأمراض، بل يؤكد ذلك ويكرره بقوله: (في أحد جناحيه داء)، كما أنه لا يطلب عدم مكافحة الذباب... أما الذباب كناقل داء، فهذا شيء أصبح الآن معروفًا لدى الجميع، وأما الجانب الذي يجهله الكثير من الناس فهو وجود مضادات حيوية للجراثيم في الذباب.

ومما ذكره د/ جوالة في بحثه الذي وردت أجزاء منه في كتاب المرحوم / سعيد حوى (الرسولصلى الله عليه وسلم) (14):

1-                          من المعروف منذ القديم أن بعض المؤذيات يكون في سمها نقع ودواء، فقد يجمع الضدان في حيوان واحد، فالعقرب في إبرتها سم ناقع، وقد يداوى سمها بجزء منها. والنحلة يخرج من إبرتها سم ناقع، ويخرج من فمها شراب نافع.

2-                                                    يحضر لقاح من ذبيب الأفاعي والحشرات السامة، يُحْقَنُ به لديغ العقـرب، أو لديغ الأفعى.

3-                                                    يستخرج البنسلين من العفن ومواد قذرة من تراب المقابر... الخ.

4-                          للجرثومة ذيفان (Toxin) - وهو مادة منفصلة عن الجرثومة - وإذا دخل الذيفان في بدن الحيوان قام البدن بتكوين أجسام مضادة له تبطل مفعوله، وتسمى هذه المادة: مبيد الجراثيم (باكتريوفاج).

ثم يقول صاحب البحث: فهل يستبعد القول بأن الذباب يلتهم الجراثيم ضمن ما يلتهمه، فيكون في جسم الذباب الأجسام الضدية المبيدة للجراثيم التي لها القدرة على الفتك بالجراثيم الممرضة التي ينقلها الذباب إلى الطعام أو الشراب. فإذا وقعت الذبابة في الطعام فما علينا إلاّ أن نغمسها فيه، فتخرج تلك الأجسام الضدية فتهلك الجراثيم التي تنقلها الذبابة.

12)                                                أمثلة لاستعمال الذباب فى بعض التدابير العلاجية:

     ورد في كتاب L'Orthopedie - المطبوع سنة 1743م - وصف لعمل لبخة من الذباب، لوضعها على الجفون، ورد فيها:... أو تؤخذ ثلاثون ذبابة عادية وتسحق،ثم يضاف إليها صفار بيضة مذاباً في قليل من زيت التربنتينة، وتصنع منها لبخة توضع على الجفن، هذه اللبخة ممتازة تزيد من نمو الأهداب وغزارتها.

   ورد في كتاب- Materia Medica - المطبوع سنة 1939م  , وكان يُدرَّس لطلاب كلية الطب فى مصر قبل منتصف القرن العشرين - أن الذباب الإسباني الأخضر (كانثريدس) يستخرج منه دواء لعلاج العنّة (العجز الجنسي في الرجال)... وإن كان هذا القول لم تعززه البحوث الطبية المعتمدة!!

  هذا، إضافة إلى ما تحفل به كتب، مثل: تذكرة داود، حياة الحيوان الكبرى للدميري، وكتب ابن البيطار، وغيرهم، من وصفات طبية لعلاج بعض الأمراض باستعمال مسحوق أو لبخات الذباب- أنظر الكتب الأصلية أو ما نقله منها د/خليل خاطر في كتابه(الإصابة)(15).

   حصل الدكتور / أبو الفتوح مصطفى عيد، على درجة الدكتوراه من جامعـة الإسكندرية (16) تحت إشراف الأستاذ الدكتور / أمين رضا، وقد ورد فيها قولـه:.. وقد كانت الحرب العالميـة حقلاً خصيباً تطور خلالها علاج هـذا المرض (التهاب العظام المزمن)، ففيها استنتجت طريقة العلاَّمة (أور) سنة 1927 م، وطريقة العـلاج بيرقــــات (Larvae) الذباب للأستاذ (بيير) سنة 1931 م.

كما ورد في مقال لمجلة (جراحة العظـام الأمريكية) - مجلد 16 عدد 3- سنة 1934 م، شرح لعلاج الالتهابات العظمية المزمنة باستعمال الذباب، وشرح لكيفية تربية الذباب (Rearing of flies)  لهذا الغرض.وسبق أن نشر على صفحات نفس المجـلة عام 1931 م إعلان لشركة(لديرل) عن بيعها يرقات الذباب لاستعمالها للعلاج.

كما ورد في نفس المجلة (عدد أبريل 1935 م) مقال للعالم (وليم روبنسون) يشرح فيه تطور التفكير في اغتذاء يرقات الذباب على الأنسجة الميتة، وكذلك إفرازات هذه اليرقات والتمثيل الغذائي فيها، بهدف فهم سر التئام الجروح إذا تركت ملوثة بيرقات الذباب....

 

إن هذه البحوث والمقالات والأخبار والمعلومات، وما لم نثبته منها هنا كثير، تؤكد إمكانية استعمال الذباب على المستوى التجاري وتربيته وتسويقه بهدف علاج الجروح المتقيحة، وعلاج تقيحات العظام، ولكن هذا لم يلق الاهتمام المطلوب. ويعلل الدكتور/أمين رضا هذا في رسالة بعث بها إلى الدكتور/غريب جمعة(17): ولكن ظـهور مركبات السلفا في نفس الوقت، وظهور المضادات الحيوية الذي بدأ في الحرب العالمية الثانية، حوّل أنظار العلماء إلى هذه الطرق التي كانت جديدة في زمانها....

13)                        نشرت مجلة (التوحيد) بالقاهرة في عددها الخامس لسنة 1397 هـ / 1977 م، مقالاً للأستاذ الدكتور/أمين رضا (أستاذ جراحة العظام والتقويم بجامعة الإسكندرية) إثر مقال نشرته بعض الصحف لطبيب آخر تشكك في الحديث النبوي المذكور... قول/أمين رضا: رفض أحد الزملاء حديث الذباب على أساس التحليل العلمي العقلي لمتنه، لا على أساس سنده. وأرى أن أعارض الزميل بما يلي:

أولاً: ليس من حقه أن يرفض هذا الحديث، أو أي حديث نبوي آخر، لمجرد عدم موافقته للعلم الحالي. فالعلم يتطور ويتغير، بل ويتقـلب كذلك. فمن النظريات العلمية ما تصف شيئاً اليوم بأنه صحيح، ثم تصفه بعد زمن قريب أو بعيد بأنه خطأ.

ثانياً: ليس من حقه رفض هذا الحديث، أو أي حديث آخر، لأنه "اصطدم بعقله اصطداماً-على حدِّ تعبيره- فالعيب الذي سبب هذا الاصطدام ليس من الحديث بل من العقل، فكل المهتمين بالعلوم الحديثة يحترمون عقولهم احتراماً عظيماً. ومن احترام العقل أن نقارن العلم بالجهل. فالعلم يتكون من أكداس المعرفة التي تراكمت لدى الإنسانية جمعاء. أما الجهل فهو كل ما نجهله، أي ما لم يدخل بعد في نطاق العلم. وبالنظرة المتعقلة نجد أن العلم لم يكتمل بعد، وإلاّ توقف تقدم الإنسانية، وأن الجهل لا حدود له. إن العالم العاقل المنصف يدرك أن العلم ضخم، ولكن حجم الجهل أضخم...إذا قلنا إن العلم اليوم هو كل شئ، وإنه آخر ما يمكن الوصول إليه، أدى ذلك إلى الغرور بأنفسنا، وإلى التوقف عن التقدم، وإلى البلبلة في التفكير. وكل هذا يفسد حكمنا على الأشياء، ويعمينا عن الحق حتى ولو كان أمام أعيننا، ويجعلنا نرى الحق خطأ، والخطأ حقاً.

ثالثاً: ليس صحيحاً أنه لم يرد في الطب شئ عن علاج الأمراض بالذباب. فعندي من المراجع القديمة ما يصف وصفات طبية لأمراض مختلفة باستعمال الذباب.أما في العصر الحديث، فجميع الجراحين الذين عاشوا في السنوات التي سبقت اكتشـاف مركبات السلفا - أي في السنوات العشر الثالثة من القرن العشرين - رأوا بأعينهم علاج الكسور المضاعفة والقرحات المزمنة بالذباب، وكان الذباب يًربى لذلك خصيصاً. وكان هذا العلاج مبنياً على اكتشاف (باكتريوفاج) القاتل للجراثيم، على أساس أن الذباب يحمل في آن واحد الجراثيم التي تسبب المرض، وكذلك الباكتريوفاج الذي يهاجم هذه.

رابعاً: في هذا الحديث إعلام بالغيب عن وجود سم في الذباب، وهو شئ لم يكشفه العلــم الحديث بصفة قاطعة إلاّ في القرنين الأخيرين (التاسع عشر والعشرين) الميلاديين، وقبـل ذلك كان يمكن للعلماء أن يكذّبوا الحديث النبوي لعدم ثبوت وجود شئ ضار على الذباب. ثم بعد اكتشاف الجراثيم يعودون فيصححون الحديث.

خامساً: إن كل ما نأخذه على الذباب هو الجراثيم التي يحملها، فيجب مراعاة ما نعلمه عن ذلك:

أ‌-                           ليس صحيحاً أن جميع الجراثيم التي يحملها الذباب جراثيم ضارة أو تسبب أمراضاً.

ب‌-                         ليس صحيحاً أن عدد الجراثيم التي تحملها الذبابة، أو الذبابتان، كاف لإحداث مرضٍ فيمن يتناول هذه الجراثيم.

ت‌-             ليس صحيحاً أن عزل جسم الإنسان عن الجراثيم الضارة، عزلاً تاماً، ممكن. وإن كان ممكناً فهذا أكبر ضرر له. لأن جسم الإنسان إذا تناول كميات يسيرة متكررة من الجراثيم الضارة تكونت عنده (مناعة) ضد هذه الجراثيم تدريجياً.

سادساً: فى هذا الحديث إعلام بالغيب عن وجود شئ على الذباب يضاد السموم التي تحملها. والعلم الحديث يخبرنا بأن الأحياء الدقيقة (من بكتريا وفيروسات و فطريات) تشن الواحدة منها على الأخرى حرباً لا هوادة فيها. فالواحدة منها تقتل الأخرى عن طريق مواد سامة تفرزها. ومن هذه المواد السامة بعض الأنواع التي يمكن استعمالها في العلاج. وهى ما نسميه "المضادات الحيوية "، مثل البنسلين والكلوروميستين وغيرهما.

سابعـاً: إن ما لا يعلمه وما لم يكشفه المتخصصون في علم الجراثيم حتى الآن لا يمكن التكهن به، ولذلك يجب علينا أن نتريث قليلاً قبل أن نقطع بعدم صحة هذا الحديث بغير سند من علم الحديث، ولا سند من العلم الحديث.

ثامنـاً: هذا الحديث النبوي لم يَدْعُ أحداً إلى صيد الذباب ووضعه عنوة في الإناء ولم يشجع على ترك الآنية مكشوفة.

تاسـعاً: إن مَنْ يقع الذباب في إنائه، ويشمئز من ذلك ولا يمكنه تناول ما فيه فإن الله لا يكلف نفساً إلاّ وسعها.

عـاشراً: هذا الحديث النبوي لا يمنع أحداً من الأطباء والقائمين على صحة الشعب من التصدي للذباب في مواطنه ومحاربته وإعدامه وإبادته.

14)                        نشرت جريدة تشرين (الدمشـقية) عن جريدة صينية في شنغهاي بتاريخ 16/6/1987م: اكتشف علماء صينيون مؤخراً أنه يوجد في جسم الذباب نوع من البروتينات النشطة التي تملك قدرة على إبادة الجراثيم المسببة للأمراض. ونقلت صحيفة (شينخوا) عن صحيفة (شينمين) الصينية قولها: إن هذه الحـشرة المقززة للنفس تمتلك بروتينات قوية قادرة على إبادة الفيروسات والجراثيم بشكل قاطع إذا بلغت كثافتها حدًّاً معيناً. وأضافت الصحيفة: إنه يوجد في جسم الذباب أيضاً مادة الدهن، وخاصة في اليرقات التي تحتوي نسبة كبيرة مـن المغنزيوم والكـالسيوم والفسفـور. ويفكر العلماء في استخراج هذه المواد مـن جسم الذباب ليكون مصدراً جديداً لمركبـات قاتلـة للجراثيم...... 

15)                        وبعد مناقشة لموضوع (حديث الذباب)، عرض صاحب كتاب (معجزات في الطب للنبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم (18)، خلاصة، نذكر منها خلاصة الخلاصة في النقاط التالية:

أ‌-                                                                            يقع الذباب على الفضلات والمواد القذرة، فيحمل بأرجله وأشعاره كثيراً من الجراثيم الممرضة.

ب‌-                                     يقع الذباب على الطعام أو الشراب، فيلمس بأرجله الملوثة بالجراثيم هذا الطعام أو الشراب، فيلوثه بهذه الجراثيم، وقد يتبرز فيه فتخرج مع البراز تلك الجراثيم الممرضة في الطعام أو الشراب.

ت‌-                                     إذا أخذت الذبابة من الطعام أو الشراب، وألقيت خارجه دون غمس، بقيت هذه الجراثيم في مكان سقوط الذبابة (أيْ: الطعام أو الشراب)، فإذا تناول الإنسان هذا الطعام  أو الشراب الملوث دخلت الجراثيم إليه.

ث‌-                                     أما إذا غمست الذبابة كلها، فإن هذه الحركة تحدث ضغطاً داخل الخلايا الفطرية الموجودة مع جسم الذبابة، فتزيد توتر البروز والسوائل الموجودة بداخلها زيادة تؤدي إلى انفجار الخلايا وخروج الإنزيمات (الخمائر) المهلكة بجراثيم المرض، فتقع على الجراثيم التي تنقلها الذبابة فتهلكها.. وهكذا يصبح الطعام أو الشراب طاهراً من الجراثيم الممرضة... وهكذا توصل العلماء إلى بيان علمي للحديث النبوي الذي يؤكد ضرورة غمس الذبابة كلها في الطعام أو الشراب، ليخرج من بطنها الدواء الذي يكافح ما يحمله من داء..

16)             بحوث معملية حديثة على هدى الحديث النبوي:

   أثبت د/خليل خاطر في كتابه (الإصابة) (19) أنه علم بوجود مجموعة بحثية لتحقيـــق حديــث الذبابة معملياً، وقد تحدث في هذا الشأن مع د/محمد على البار، الشيخ/ عبد المجيد بن عزيز الزنداني، د/ محمد فضل الخاني، ولكنه تأكد من إجراء تجارب في هذا الموضوع بكندا والسعودية ومصر. وما أثبته في كتابه المذكور إنما هو موجز البحوث التي أجراها د/نبيه عبد الرحمن باعشن (رئيس قسم الأحياء بكلية العلوم جامعة الملك عبد العزيز - جدة) ومعه مشاركون هم: منصور سجيني، عبد الوهاب عبد الحافــظ، ومحمــود زكــي. أمــا التقـرير الذي كان مع الشيـخ/ عبد المجيد الزنداني وللأسف فقد فُقدَ منه- فكان لعالميْن من كندا، بدءا بحثهما من حيث انتهت بحوث اللجنة المشكلة لهذا الغرض بجامعة الملك عبد العزيز، وقد توصًّلا إلى التعرف علـــى العامـل الذي يسـاعد على القضاء على الجراثيم في الذبابة المنزلية، وحدًّدا اسمه، وقوته، وقدرته، ونتائج قضائه على الجراثيم وطريقته في تحقيق هذا..

 

   أما البحث الممتد، أو بالأدق سلسلة البحوث، التي أجراها باعشن وزملاؤه فكانت تحت عنوان: (تأثير السقوط والغمس للذبابة المنزلية على مدى تلوث الماء والأغذية بالميكروبات). الجزء الأول: دراسة مبدئية، الجزء الثاني: تأثير درجة حموضة ماء الغمس، الجزء الثالث: تأثير السقوط والغمس للذباب على تلوث ونمو الميكروبات على الحليب. وكان مما ورد في موجز الجزء الثالث، المختص بعملية غمس الذباب في الماء أو الحليب ما يلي:

وجود عامل مثّبط لنمو الجراثيم الموجودة على الذباب، والتي تسقط فى الماء أو الطعام، عند سقوط الذباب فيه، ومن ثم، الحدّ من نمو الجراثيم، وتقليل عددها أيضاً.

إن عملية الغمس تقلل من تأثير الجراثيم التي يحملها الذباب وتسقط فى الماء أو الطعام عند سقوط الذباب فيه .

 إن تأثير عملية الغمس هي على الجراثيم المرضية أكثر مما هى على الجراثيم الكلية (النافعة) التي لا تحمل الأمراض، وهذا ما يؤكده الحديث الشريف (داء، شفاء).

إن فعالية الغمس أظهرت فعالية القضاء على الجراثيم عند درجات مشابهة لدم الإنسان وجسمه، بخلاف ما لو أجريت في وسط متعادل.

وهذا ما يبين المعجزة في الحديث، وهى أن النتائج قد أثبتت بشكل واضح إن الذباب إذا سقط ثم طار، فإن الجراثيم التي تسقط منه في الطعام أو الشراب تزداد أعدادها، بينما إذا غمس ثم رفع، فإن الجراثيم التي تسقط لا تبقى أعدادها كما هى، بل تبدأ بالتناقص، ويحدّ من نموها أيضاً. فلو سقط من الذبابة (1000) جرثومة مثلاً، ثم طارت الذبابة، فإن الألف تزيد لتصبح مثـلاً (1010، 1020، 1050، هـكذا)، بينما لو سقط منها (2000) جرثومة ثم غمست، فإن الألفين لا يزيدا، بل و لا تبقى عند حدّها، بل تنقص شيئاً فشيئاً لتصبح مثلاً (1950، 1900، 1850، وهكذا)، حتى تصبح أقل بكثير مما سقط، وهذا ما تؤكده هذه التجارب، والله اعلم.

إن هـــذه التجارب أثبتت صحة الحديث النبوي، أيضاً، من الناحية العلمية التجريبية، وإن كنا ننتظر ما هو أكثر من ذلك.

إن الأمر المتوقع والمنطقي أن غمس الذباب يزيد من عدد الجراثيم التي تسقط منه فى الماء أو الطعام، وذلك لأنها تعطي فرصة أكبر لسقوط الجراثيم عن سطحه، بخلاف وقوفه على الطعام أو الشراب، لأن الذي يمس منه هو أطرافه وخرطومه وأطراف أجنحته، بينما فى الغمس يسقط كله.هذا لو كان الأمر عادياً ومتوقعاً .

بينما أظهرت التجارب عكس ذلك تماماً،وهذا هو المذهل في الأمر، نتيجة تجارب كثيرة جداً وتكررت في مدة تزيد على سنتين في كل من جدة والقاهرة، وفى معامل (مختبرات) الجامعات، ومن قِبَل أساتذة مختصين هدفهم هو الناحية العلمية، وإن كانوا قد فرحوا بالنتائج التي توصلوا إليها.

إن هذه التجارب أثبتت إعجازاً علمياً في السنَّة يضاف إلى المعجزات العلمية الأخرى التي تدلل على معجزة النبي صلى الله عليه وسلم الخالدة، في الكتاب والسنة.

وختــــــامـاً...

     هل ذكر الأجنحة في الحديث النبوي يفيد التخصيص، أم أنه أمر اعتباري؟ في مناقشته لهذا الموضوع، أجاب د/محمد سعيد السيوطي(20): عن هذا السؤال بقوله:.. وأما ما ورد في صدر الحديث الشريف(إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه)، فالغمس هو لأجل أن يدخل الباكتريوفاج للشراب (أو الطعام)، وقد ثبت أن أثرا زهيدا منه يكفى لقتل جميع الجراثيم المماثلة، أي التي نشأ عنها الباكتريوفاج والجراثيم القريبة منها. وحيث ورد في نص الحديث (فليغمسه)، أي: فليغمس الذبابة كلها، فقد دخل في الغمس جسمها مع جناحْيها، ولم يرد في الحديث غمس الجناحين فقط، مما دل على أن الداء والشفاء في الجناحين أمر اعتباري لا يفيد التخصيص، والأمر بغمسها يؤكد ذلك، وهو لأجل تطهير الشراب من الجراثيم، وذلك بإدخال الباكتريوفاج (عامل الشفاء) والجراثيم، وتحقق وظيفتهما على حمل ونقل الجراثيم والباكتريوفاج فقط.

  كما ينتهي د/ محمد أبو شهبة (21) بعد مناقشته لهذا الموضوع إلى قولـه: وبذلك يحقق العلماء بأبحاثهم تفسير الحديث النبوي الذي يؤكد ضرورة غمس الذبابة كلها فى السائل أو الطعام إذا وقعت عليه (فيه) لإفساد أثر الميكروبات المرضية التي تنقلها بأرجلها أو يبرزها. وكذلك يؤكد الحقيقة التي أشار إليها الحديث، وهى أن في أحد جناحيْها داء (أي: في أحد أجزاء جسمها الأمراض المنقولة بالميكروبات المرضية التي حملتها) وفى الآخر شفاء، وهو المواد الحيوية المضادة التي تفرزها الفطور  (Fungi)  الموجودة على بطنها، والتي تخرج وتنطلق بوجود سائل حول خلايا الفطور المستطيلة.

 وبعد مناقشته للموضوع، ختم د/غريب جمعة إحدى مقالاته(22) بقولـه: إن هذا الحديث لم يَدْعُ أحدًا إلى صيد الذباب ووضعه عنوة في الإناء، ولم يشجع على ترك الآنية مكشوفة، ولا على الإهمال في نظافة البيوت والشوارع، ولا يتعارض مع الحماية من أخطار انتشار الذباب بأية صورة، ولم يجْبر مَنْ وَقَعَ الذبابُ في إنائه واشمأز من ذلك على تناول ما فيه، وهذا الحديث لا يمنع أحدًا من القائمين على الصحة من التصدي للذباب في مواطنه ومحاربته، ولا يدعو إلى إقامة مزارع أو مفارخ للذباب، ومن صنع هذا أو اعتقده فقد وقع في خطأ كبير.

  وفى اتصال شخصي مع الدكتور / معتز المرزوقي(23) أوضح أن حديث الذباب - الذي نحن بصدده - يتضمن معجزتين علميتين لرسول الله  صلى الله عليه وسلم، إحداهما وجود الميكروب في جانب من الذبابة ووجود المضاد الحيوي (antibiotic)   في الجانب الآخر، على اعتبار أن الجناح في اللغة يدل على الميل أو الجانب، ويؤيده قول الله  تبارك وتعالى: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى) [ســــورة طه: 22]. وأما المعجزة الثانية فهى في كلمة (فليغمسه)، لأن الغمس يتضمن ولوج المنطقة التي بها فطريات (فطور) حاملة للمضادات الحيوية وللميكروبات، ولأن عملية الغمس تسمح للسائل أن ينتشر إلى الغشاء بالانتشار الغشائي حتى ينفجر هذا الغشاء ويخرج السيتوبلازم الذي يحتوى مضادات الميكروبات التي يكفى (2) مللي جرام منها لتطهير ألف لتر من اللبن الملوث بجميع الميكروبات.

  وعموماً، فإن هذا الحديث لا يتعلق ببيان أصل من أصول الدين، من الإلهيات أو النبوات أو السمعيات، ولا ببيان فريضة من فرائضه الظاهرة أو الباطنة، الشخصية أو الاجتماعية، ولا ببيان أمر من أمور الحلال والحرام في حياة الفرد أو الجماعة، ولا ببيان تشريع من تشريعات الإسلام المنظمة لحياة الأسرة والمجتمع والدولة والعلاقات الدولية، ولا ببيان خلق من أخلاق الإسلام التي بعث الرسول ليتمم مكارمها... ولو أن مسلما عاش عمره دون أن يقرأ هذا الحديث أو يسمع به، لم يكن ذلك خدشاً في دينه، ولا أثر ذلك في عقيدته أو سلوكه العام... فلا مجال لأولئك الذين يتخذون من الشبهات المثارة حول الحديث، سبيلاً للطعن في الدين كله (24)...

 

الحواشــي

1)                الشهـاب أحمد بن أبي بكر البوصيري: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه. تحقيق: موسى محمد علي , عزت علي عطية , دار الكتب الإسلامية (القاهرة) , ج3 , ط1 , 1405هـ / 1985م.

2)                د / خليل إبراهيم ملا خاطر: الإصابة في صحة حديث الذبابة. دار القبلة للثقافة الإسلامية (الرياض – السعودية) , ط1 " 1405هـ.

3)                               د / خليل إبراهيم ملا خاطر: نفس المرجع , ويحتوى جداول إحصائية أطلق عليها المؤلف اسم " شجرات الرواية ".

4)                               د / محمد محمد أبو شهبة: مرجع سابق.

5)                د / أحمــد عمــر هاشــم: السنــة النبويـة في مواجهة التحدي. سلسة البحوث الإســلامية – مجمـــع البحـــوث الإسلاميــة بالأزهـــر الشريـف (مصر) , ط1 , 1401هـ / 1980.

6)                               د / أحمد عمر هاشم: نفس المرجع.

7)                               د / أحمد عمر هاشم: نفس المرجع.

8)                               " الأنوار الكاشفة " لعبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني , نقلاً عن د / أحمد عمر هاشم: مرجع سابق.

9)                               د / أحمد عمر هاشم: نفس المرجع.

10)             لمزيد من التفاصيل: انظر البند السابق (أحاديث الآحاد) في الكتاب الحالي. و الحكم بخروج منكر أحاديث الآحاد عن الإسلام ينطوي على مجازفة إذا كان المنكر متأولا...

11)                          د / يوســـف القرضــاوى: السنـــة النبويــة مصدراً للمعرفة و الحضارة. دار الشروق (القاهرة) , ط1 , 1417هـ / 1997م.

12)                          د / كــارم السيد غنيم: سلســلة كتــب النحــلة للفتيــان: ج8 , ج9. دار الفـكر العربي (القاهرة) ط1 , 1417هـ / 1997م.

13)                          د / ظافر عطـار: الذباب – مرض وشفاء. مجلة عـالم الطب و الصيدلة (دمشق) , 18/4 , 2000م.

14)                          سعيد حوى: الرسول صلى الله عليه وسلم. مؤسسة الرسالة (بيروت) , 1971م.

15)                          د / خليل إبراهيم ملا خاطر: مرجع سابق.

16)             د / أبو الفتوح مصطفى عيد: دراسات إكلينيكية وباكتريولوجية في التهاب العظام الناتجة عن الميكروب العنقودي. رسالة حصل بها صاحبة على درجة الدكتوراه من كلية الطب جامعة الإسكندرية (مصر) في عام 1968م.

17)                          د / غـريب جمعــة: حـــول حديــث الذباب.. الذباب فيه سم وعلاج. مجلة منار الإسلام (أبو ظبي) 4 (8) 1983م.

18)                          د / محمد سعــيد السيوطي: معجزات في الطب للنبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم مؤسسة الرسالة (بيروت)

19)                          د / خليل إبراهيم ملا خاطر: مرجع سابق.

20)                          د / محمد سعيد السيوطي: مرجع سابق.

21)                          د / محمد محمد أبو شهبة: مرجع سابق.

22)             د / غريب جمعــة: ى تقعوا على نية خاتم الأنبياء كما يقع الذباب في الإناء. مجلة منار الإسلام (أبو ظبي) (3) 1398هـ , 1978م.

23)                          د / معتز المرزوقـــي: أستـــاذ (متفرغ) العيون بجامعة المنوفية (مصر) وعضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.

24)                          د / يوسف القرضاوي: السنة النبوية مصدر للمعرفة و الحضارة. مرجع سابق.

-------------------------

بقلم الأستاذ الدكتور كارم غنيم